بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد
بل لأنه نادرًا ما يُجبر على احترام البناء قبل تقديم الحل. معظم ما يُنسب إلى إخفاقات الذكاء الاصطناعي ليس إخفاقًا في الحساب بل إخفاق في التأطير. نحن نعرض المشكلة ونطلب الإجابة بينما نتجاوز المرحلة الأهم في أي عملية تفكير جاد وهي بناء الهيكل التحليلي.
في الواقع لا توجد مشكلة معقدة تعيش بمعزل عن سياقها. كل مشكلة تنتمي إلى عائلة اقتصادية أو استراتيجية أو مؤسسية أو تكنولوجية أو سلوكية أو مزيج متداخل منها. لكل واحدة قيود وحوافز وأطراف فاعلة وتوازنات قوة وأفق زمني ومخاطر خفية. ومع ذلك يُطلب من أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تجيب قبل أن تُحدد هذه الأبعاد بوضوح. النموذج يحسن التماسك لا سلامة السياق. يجيب على السؤال المطروح حتى لو كان السؤال ذاته ناقصًا بنيويًا .
الحل ليس مجرد نموذج أقوى بل إطار إلزامي يسبق التحليل ويُدمج في التفاعل نفسه. قبل تقديم أي توصية يجب أن يُطلب إدخال مُهيكل يصنف طبيعة المشكلة ويحدد القيود ويُعرّف أصحاب المصلحة ويكشف الحوافز ويرسم الأفق الزمني ويُظهر الآثار غير المقصودة المحتملة. بعبارة أخرى يجب أن يُجبر الذكاء الاصطناعي على رسم الخريطة قبل اقتراح الطريق .
هذا النهج يحول الذكاء الاصطناعي من مولد ردود إلى شريك تحليلي منضبط. يمنع الاستنتاجات المبكرة ويقلل وهم الدقة في بيئات يحكمها عدم اليقين. والأهم أنه يُقرب منطق الآلة من طريقة عمل الأنظمة المعقدة حيث لا تنشأ النتائج من متغير واحد بل من تفاعل قوى متعددة .
مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بنماذج أكبر أو معالجات أسرع بل بالبنية التي تحيط به. الذكاء دون إطار يسرّع الخطأ. أما الذكاء المقيد بتفكير مُنظم فيعزز الحكم الرشيد. إذا كان للذكاء الاصطناعي أن يعمل بمسؤولية في الحوكمة والأسواق والتنمية والاستراتيجية فيجب أن يُدمج داخل قوالب تحليلية إلزامية تحاكي عمق الوعي البشري بالسياق .
الابتكار الحقيقي ليس في جعل الذكاء الاصطناعي يفكر أسرع بل في جعله يفكر داخل حدود تعكس الواقع. عندها فقط ينتقل من محرك إجابات إلى إطار قرار قادر على التعامل مع التعقيد بدل اختزاله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق