الأحد، 8 فبراير 2026

بحر العرب: ميزان القوى وخرائط النفوذ

تحليل استراتيجي بقلم: أحمد المهدي صفوت
في مشهد يعكس ذروة التوترات الجيوسياسية، عاد بحر العرب ليتحول من ممر دولي للتجارة إلى ساحة مفتوحة لفرض الإرادات العسكرية. إن وجود حاملات الطائرات الأمريكية في قلب هذه المنطقة ليس مجرد استعراض عابر، بل هو عملية "تمركز استباقي" تعيد تعريف معادلات الردع في مواجهة أي تهديدات تطال العمق الاستراتيجي أو المنشآت الحيوية في المنطقة.
1. القوة الضاربة: المطارات العائمة وقدرات الاختراق
تعتمد الولايات المتحدة في حضورها الحالي على "مبدأ الوصول العالمي"، حيث تمثل حاملة الطائرات (مثل فئة نيميتز أو جيرالد فورد) قاعدة عسكرية عائمة تحمل ما يزيد عن 75 طائرة مقاتلة. وتبرز هنا مقاتلات F-35C Lightning II الشبحية التي تمنح واشنطن القدرة على اختراق الرادارات المتقدمة، تدعمها طائرات الإنذار المبكر E-2D Advanced Hawkeye التي تعمل كـ "عين رقمية" ترصد التحركات البحرية والجوية على مديات شاسعة، مما يجعل أي تحرك خصم مكشوفاً بالكامل.
2. منظومات الحماية والردع الجراحي
لا تتحرك الحاملة منفردة، بل ضمن "مجموعة قتالية" (Carrier Strike Group) تشكل حصناً تكنولوجياً لا يضاهى، وتضم:
 * مدمرات "أرلي بيرك": المزودة بنظام "إيجيس" القادر على اعتراض الصواريخ البالستية بمديات تتجاوز 2500 كم.
 * الغواصات الهجومية: التي توفر قدرة "الضربة الصامتة" باستخدام صواريخ "توماهوك" القادرة على إصابة أهداف برية بدقة جراحية من تحت سطح الماء.
3. الجغرافيا كعائق وميزة استراتيجية
يمنح بحر العرب القوات الأمريكية ميزة "العمق الدفاعي"؛ فهو مساحة مفتوحة تتيح المناورة بعيداً عن تهديدات الزوارق السريعة والألغام البحرية التي قد تتركز في المضايق الضيقة مثل "هرمز". هذا التموضع يمنح القيادة العسكرية مرونة عالية في اختيار توقيت وحجم الرد، مع الحفاظ على مسافة آمنة تحمي القطع الثقيلة من الهجمات الانتحارية أو المسيرات قصيرة المدى.
4. سيناريوهات المواجهة والسيطرة
يرى المحللون أن هذا الحشد العسكري يضع المنطقة أمام مسارات دقيقة:
 * الردع النشط: عبر فرض منطقة حظر غير معلنة تضمن انسياب الطاقة وتمنع أي طرف من تغيير قواعد اللعبة ميدانياً.
 * الضغط الجراحي: استخدام التواجد البحري كأداة ضغط سياسي قصوى لإجبار الأطراف الأخرى على تقديم تنازلات في ملفات إقليمية عالقة.
 * الاشتباك المحدود: في حال حدوث أي احتكاك غير محسوب، تمتلك هذه القوات القدرة على تنفيذ ضربات خاطفة وشاملة ضد مراكز القيادة والسيطرة دون الحاجة لتدخل بري واسع.
خاتمة
يبقى بحر العرب اليوم عقدة الوصل بين الاقتصاد العالمي والأمن القومي الدولي. وبين أزيز الطائرات المنطلقة من الحاملات وهدوء الغواصات في الأعماق، تترسخ حقيقة واحدة: أن من يمتلك السيادة على هذه المياه، يمتلك المفتاح الأقوى في صياغة خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة. وما التحركات الأمريكية الحالية إلا تأكيد على أن "الردع" لم يعد خياراً دبلوماسياً، بل أصبح واقعاً عسكرياً مفروضاً بلغة النار والتكنولوجيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot