الأحد، 22 فبراير 2026

الجمعيات الأهلية في القرى: "طوق نجاة" أم "فخ للاتكال"؟

بقلم: أحمد المهدى صفوت
تعد الجمعيات الأهلية والخيرية في ريفنا المصري الركن الأصيل في منظومة التكافل الاجتماعي، فهي الأقرب لبيوت البسطاء والأدرى باحتياجاتهم. ومع تصاعد دور هذه الجمعيات في السنوات الأخيرة، انقسمت الآراء في الشارع القروي بين من يراها "سنداً" للفقراء، ومن يراها "مُسكناً" قد يؤدي بمرور الوقت إلى نتائج عكسية على سلوك الفرد وإنتاجيته.
الوجه المضيء: حلول عاجلة في غياب البدائل
لا يمكن لأحد إنكار الدور البطولي الذي لعبته الكثير من هذه الجمعيات في حل مشكلات مزمنة داخل القرى، ومنها:
 * كفالة الأيتام والأرامل: توفير معاشات شهرية وحياة كريمة لفئات فقدت المعيل.
 * الرعاية الصحية: من خلال المستوصفات الخيرية والقوافل الطبية التي تصل لنجوع لم تصلها الخدمة الحكومية بالشكل الكافي.
 * تيسير الزواج: المساهمة في "ستر" الفتيات اليتيمات أو من الأسر المتعثرة مادياً.
هذه الجهود نجحت بالفعل في نزع فتيل الكثير من الأزمات المعيشية، وحولت الجمعية الأهلية إلى "بيت العيلة" الذي يلجأ إليه المواطن في المحن.
الوجه المظلم: هل نصنع جيلاً من "المتواكلين"؟
على الجانب الآخر، تبرز صرخة تحذير من بعض المثقفين والخبراء الاجتماعيين؛ حيث يرى البعض أن الاعتماد الكلي على "المساعدات العينية والمادية" الشهرية خلق نوعاً من "البطالة الاختيارية".
 * ثقافة "الانتظار": بدلاً من البحث عن فرصة عمل أو تعلم حرفة، أصبح البعض يكتفي بانتظار "كرتونة الخير" أو المعاش الشهري، مما قتل روح المبادرة لدى فئة من الشباب والعمال.
 * تشجيع الكسل: المساعدات غير المشروطة بإنتاج أو عمل جعلت البعض يفضل الراحة طالما أن احتياجاته الأساسية مُغطاة من الجمعيات، وهو ما يؤثر بالسلب على سوق العمل المحلي في القرية.
 * تفتيت الهمم: تحول مفهوم "التكافل" من مساعدة المحتاج الحقيقي إلى "توزيع العطايا" للجميع، مما يساهم في زيادة نسب الفقر المقنع بدلاً من محاربته.
الحل في "التمكين" لا "الإطعام"
إن الجمعية الأهلية الناجحة هي التي لا تعطي الفقير "سمكة"، بل تعلمه كيف "يصطاد". وللخروج من فخ البطالة والكسل، يجب أن تتحول استراتيجية هذه الجمعيات إلى:
 * دعم المشروعات الصغيرة: تحويل المساعدات المادية إلى (ماكينة خياطة، ورشة نجارة، تربية مواشي) تجعل الأسرة منتجة ومستقلة.
 * التدريب المهني: اشتراط حضور دورات تدريبية للشباب القادر على العمل مقابل الاستفادة من خدمات الجمعية.
 * الربط بسوق العمل: أن تلعب الجمعية دور الوسيط بين العاطلين عن العمل وأصحاب المصانع والمزارع.
خلاصة القول، الجمعيات الأهلية في قرانا هي ضرورة لا غنى عنها، ولكن إذا لم تتطور من "منح المساعدات" إلى "بناء الإنسان"، فإنها ستظل تعالج الأعراض وتترك مرض الفقر والكسل ينخر في جسد المجتمع.
ونسأل الله العلي القدير أن يوفق كل من يساهم في عمل القيادة، وأن يوفق القائمين على الجمعيات الخيرية في كل القرى لما فيه خير البلاد والعباد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot