الأحد، 8 فبراير 2026

قرية على ضفة الحلم


"سَحر… في وجه الريح"

في زحام الحياة، يولد بعض الأطفال وهم يحملون قلبًا أكبر مِن أعمارهم، كأنهم جاؤوا ليُرمموا العالم، لا ليستمتعوا به.

"سَحر" لم تكن مجرد الابنة الصغرى في بيت يعجّ بالإخوة والهموم، بل كانت نغمة هادئة في سيمفونيةٍ صاخبة.

هي الطفلة التي غادرت وطنها إلى أقصى الأرض لا لتحلم فقط، بل لتُقاتل من أجل أن يبقى الحلم حيًا.

حين وضعت قدماها على أرضٍ جديدة في بلدٍ لا تعرفها، ولا تعرفها... لم تكن تملك سوى عيني والدها المُتعبتين، وأملٍ يتيم في صدرها.

درست، وعملت، وربّت في أعماقها امرأة لم تنتظر أن تُدَللها الحياة، بل علّمتها كيف تَشتدّ على نفسها لتَلين للآخرين.

واجهت عقبات لم تُحكها لأحد، وبكاءاتٍ خبّأتها خلف إبتسامةٍ مُطمئنة...
كانت الحنونة التي تُطعم الجائع وتَمسح على القلب الكسير، وتُقاسم الجميع دفئها، حتى وإن كانت ترتجف مِن البرد.

"سَحر" لم تخذل أحدًا، لكن الحياة خذلتها كثيرًا.

ومع ذلك لم تفقد نقاءها، بل كانت كلّ خيبة تُنبت فيها زهرة جديدة مِن الصبر والحكمة.

هذه الرواية... ليست فقط حكاية فتاةٍ هاجرت، بل سيرة قلبٍ واجه العالم، وتطلع إلى التغيير 
وواجه المجهول.

واختار رغم قسوته، أن يظل طيبًا حنوناً.

في الجنوب البعيد حيث يهمس النيل للأرض بقصص الأجداد، وتتمايل السنابل على استحياء تحت شمسٍ حنونة، كانت قرية "الرحمانية" تحتضن أيام "سَحر" الأولى.
قرية صغيرة، لكنها عامرة بالحبّ والدفء، تتعانق فيه البيوت كأنها عائلة واحدة، ويغمرها عبق الطين، وصوت المؤذن مِن مسجدها القديم، ونبض الحياة البسيطة.

في أحد أطراف القرية كان بيت أسرة "رفاعي" يقف شامخًا رغم ضآلته. منزلٌ صغير مِن طابق واحد جدرانه بيضاء مِن الخارج، لكنها تكتنز دفء الذكريات من الداخل.

الأسرة متوسطة الحال، ولكنها غنية بما هو أثمن الحب، والرضا، والكرامة.

"سَحر" البنت الصغرى كانت نجمة البيت. 
طفلة بعيون واسعة يشعّ منهما حنين لا يشي بسنّها.

كانت تدرس في المرحلة الابتدائية، لكن عقلها أكبر مِن سنواتها، وقلبها لا يعرف إلا العطاء لجميع مٓن حولها.

إن رأت مسكينًا، أسرعت إليه برغيف خبز، وإن صادفت دمعة مسحتها دون أن تُسأل مٓن جرحها.

كانت تجمع ما تقدر عليه مِن مصروفها لتشتري به حلوى وتوزعها على أطفال الجيران، وتضحك معهم وكأنها منهم رغم أنها كانت الأكثر حزنًا بينهم.

"آمال" أختها الكبرى كانت أكثر هدوءًا فتاة ناعمة القسمات تحب الكتب، وتنسحب مِن صخب البيت إلى عوالم القراءة.

أما الإخوة الثلاثة؛ "أحمد" أكبرهم يلي الأخ "محمد" كان قوي الشخصية صلبًا كأنه وُلد ليحمل مسؤوليات مبكرة.

"محمود" أصغرهم فتى مرهف الحس يتسم بخفة الظل يحب الرسم والشعر دائم الشرود نحو السماء.

و"محمد" الأكبر فهو الإبن البكري مِن بينهم مرحٌ وضاحك لا يخلو البيت مِن صوته وكان حنوناً عطاء بالجود والكرم.

الأم الحاجة "آنعام" كانت معلمة في حضانة القرية.
سيدة دؤوبة، ملامحها مليئة بالحزم والحنان. 

كانت تؤمن أن الطفل حجر الأساس، فتُغرس فيه القيم قبل الحروف.

الأب الحاج "رفاعي أبو بكر " كان طباخًا على إحدى المراكب اليونانية التي تجول في البحار والمحيطات، وتغيب به شهورًا عن وطنه وأسرته، لكنه حين يعود، يعود بجيبه الممتلىء وقلبه المليء بالحب لأسرته.

كانت "سَحر" تمسك بيد أمها كل صباح لتوصلها إلى الحضانة، وتظل  تُلاعب الأطفال بالحضانة، وتشاركهم ألعابهم، ثم تعود وحدها إلى مدرستها حاملة حقيبتها الصغيرة وأحلامًا أكبر مِن قريتها البسيطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot