لم يعد التعليم في مصر مجرد خدمة عامة، بل تحوّل تدريجيًا إلى سوق مفتوح، تتداخل فيه مفاهيم الاستثمار والربح مع حق أساسي يفترض أن يكون مضمونًا.
ومع كل عام دراسي جديد، تتجدد الأزمة نفسها: زيادات في المصروفات، شكاوى من أولياء الأمور، وقرارات تنظيمية لا تنجح في إنهاء الجدل.
السؤال لم يعد: هل التعليم مكلف؟
بل: من يضع حدود التكلفة؟ ومن يحمي الأسرة؟
تنظر الدولة إلى التعليم الخاص والدولي باعتباره قطاعًا استثماريًا يخفف العبء عن الموازنة العامة، ويوفر تنوعًا في الخيارات التعليمية. هذه الرؤية، من حيث المبدأ، ليست خاطئة.
لكن المشكلة تبدأ حين يُترك هذا الاستثمار دون رقابة فعّالة، فيتحول التعليم من وسيلة لبناء الإنسان إلى سلعة تخضع فقط لمنطق العرض والطلب.
في مواجهة المدارس والمؤسسات التعليمية، تقف الأسرة بلا أدوات حقيقية:
لا قدرة على التفاوض
لا بدائل حكومية كافية بالجودة نفسها
ولا شفافية كاملة في تسعير الخدمة
ومع كل زيادة، يُطلب من ولي الأمر التكيّف وكأن التعليم رفاهية يمكن الاستغناء عنها.
الدولة تعلن أنها:
تنظّم
وتراقب
وتضع سقوفًا للزيادة
لكن الواقع يقول إن الرقابة غالبًا تأتي بعد تفجّر الأزمة، لا قبلها.
والقرارات التنظيمية، حين لا تُدعَم بآليات تنفيذ صارمة، تفقد معناها على الأرض.
هنا يظهر السؤال السياسي الحقيقي:
هل الدولة وسيط محايد بين المستثمر والأسرة؟
أم طرف يوازن بين جذب الاستثمار وغضب المجتمع؟
خطر اجتماعي مؤجل
ترك التعليم لمنطق السوق وحده لا يخلق فقط فجوة تعليمية، بل فجوة اجتماعية أعمق:
تعليم عالي الجودة لمن يملك
وتعليم محدود لمن لا يملك
وهذا النوع من الانقسام لا يظهر أثره فورًا، لكنه ينعكس لاحقًا في فرص العمل، والحراك الاجتماعي، والاستقرار العام.
الفرق الجوهري بين التعليم وأي خدمة أخرى هو أن أثره طويل المدى.
الخطأ فيه لا يُصلَح بسهولة، ونتائجه لا تُقاس في عام أو اثنين.
لذلك، فإن التعامل معه بمنطق الاستثمار أولًا دون اعتبار للبعد الاجتماعي، هو مخاطرة سياسية قبل أن تكون اقتصادية.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق