الثلاثاء، 17 فبراير 2026

حين يتحوّل الطلاق إلى عقاب للأبناء

بقلم د.سوهير الطويل 
 
لا تنتهي معاناة بعض الأسر بانفصال الزوجين، بل تبدأ مرحلة أشد قسوة، حين يتحوّل الخلاف الزوجي إلى وسيلة انتقام يدفع ثمنها الأبناء. ففي كثير من حالات الطلاق، يترك الأب الأم تذهب إلى المحاكم سعيًا وراء نفقة هي في حقيقتها حق أصيل للأطفال، لا منّة ولا فضلًا.
النفقة ليست مسألة شخصية تُدار بمنطق الغضب أو الكراهية، بل التزام شرعي وقانوني لا يسقط بالطلاق ولا بزواج الأب مرة أخرى. فقد قرر القرآن هذا الحق بوضوح في قوله تعالى:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، تأكيدًا على أن مسؤولية الإنفاق جزء لا يتجزأ من الأمانة الأبوية.
وحين يخلط بعض الآباء بين الخصومة الزوجية والواجب الأبوي، تتحول النفقة إلى أداة ضغط، وتصبح ساحات القضاء مسرحًا لمعاناة إنسانية كان يمكن تفاديها بالعدل والضمير. فالأم لا تطالب برفاهية، بل بالحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لأطفالٍ لم يختاروا هذا الصراع.
وتتجاوز آثار هذا السلوك الجانب المادي، لتطال البعد النفسي للأبناء، الذين يشهدون إهانة أمهم واستنزافها، فينشأ لديهم شعور بفقدان الأمان، وقد تتشوه صورة الأب في وجدانهم على نحو يصعب إصلاحه لاحقًا.
وقد حمّل الإسلام الأب مسؤولية واضحة لا تقبل التهرب، إذ قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فجعل الرعاية التزامًا أخلاقيًا ودينيًا يمتد حتى بعد الفراق.
إن المعاملة بالمعروف لا تنتهي بالطلاق، بل تزداد أهمية حين تتغير الظروف. فالتسريح بإحسان لا يكون بترك الأم وحيدة في مواجهة الأعباء، ولا بجعل النفقة ساحة صراع، بل بأداء الواجب دون مماطلة أو انتقام.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: أي انتصار يحققه أبٌ يربح معركة النفقة ويخسر احترام أبنائه؟
فالرجولة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على العقاب، بل بالقدرة على تحمّل المسؤولية، لأن العدالة وحدها هي التي تحمي الأبناء من أن يكونوا ضحايا صراع لم يصنعوه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot