الاثنين، 9 فبراير 2026

حصانة تُنسى… وسلطة تنحرف عن صاحب الشرعية


في موسم الانتخابات، تتكاثر الوعود كما تتكاثر اللافتات: «لكم ومن أجلكم»، «بكم نستكمل المسيرة». كلمات تبدو كالعهد المقدس بين المرشح والناس. لكن ما إن تُعلن النتائج حتى تتبخر الشعارات، ويبدأ واقع مختلف؛ حصانة تُفهم خطأ، وسلطة تُمارس أحيانًا بعيدًا عن صاحبها الحقيقي… الشعب.

الحصانة البرلمانية في أصلها ليست امتيازًا شخصيًا، بل أداة لحماية الكلمة الحرة داخل المؤسسة التشريعية. وُجدت كي يتمكن النائب من مراقبة الحكومة بلا خوف، لا كي يتحول إلى صاحب نفوذ فوق النقد والمساءلة. حين يُساء فهمها، تنقلب من وسيلة لخدمة الناس إلى جدار يعزل بعض ممثليهم عنهم، وتتحول الحماية المؤسسية إلى درع فردي يختبئ خلفه الأداء الضعيف أو الغياب المتكرر.

المشكلة الأكبر تظهر عندما تختل علاقة السلطات ببعضها. فبدلًا من أن تمارس السلطة التنفيذية دورها باستقلال وخدمة للقانون، تتسلل أحيانًا حالة من المجاملة أو الخضوع غير المبرر لأصحاب الحصانة. قرار إداري يتراجع، إجراء قانوني يتباطأ، ومسؤول يتجنب المواجهة… ليس لأن القانون قال كلمته، بل لأن اسمًا ثقيلًا حضر في المشهد. هنا لا تُكسر النصوص، بل تُكسر هيبة الدولة أمام النفوذ.

القاعدة البسيطة التي تُنسى: الشعب هو من منح الشرعية للجميع. التشريعية تراقب التنفيذية باسم الناس، والتنفيذية تنفذ القانون لخدمة الناس، وكلاهما يجب أن يظل خاضعًا لميزان المساءلة. حين يتحول النائب من ممثل للناس إلى مركز قوة، وحين تتعامل بعض الأجهزة التنفيذية مع الحصانة كأنها سلطة أعلى من القانون، يصبح المواطن الحلقة الأضعف في منظومة صُممت أصلًا لحمايته.

الفجوة بين المواطن وممثليه لا تولد من فراغ. تنشأ عندما تتلاشى الوعود بعد الفوز، عندما تُغلق مكاتب الخدمة، عندما يختفي التواصل الحقيقي، ويُستبدل العمل الرقابي بالظهور الإعلامي. المواطن الذي منح صوته وثقته يجد نفسه خارج المعادلة، يراقب شعارات الأمس وهي تذوب في صمت اليوم.

المشهد لا يحتاج إلى هدم المؤسسات، بل إلى إعادة البوصلة. الحصانة تكليف لا تشريف. السلطة التنفيذية ليست تابعة لأي نائب، بل خادمة للقانون والمصلحة العامة. والنائب ليس فوق المساءلة، بل أول من يجب أن يقبلها لأنه يحمل تفويض الناس. الشفافية في الحضور والأداء، تقارير علنية عن الإنجاز، آليات واضحة لرفع الحصانة عند اللزوم، وتواصل مباشر مع المواطنين… ليست رفاهية بل شروط بقاء الثقة.

أخطر ما يمكن أن يحدث هو التطبيع مع الخطأ؛ أن يصبح النفوذ أمرًا عاديًا، وأن يُبرر الخضوع باسم العلاقات، وأن تتحول الانتخابات إلى موسم وعود يتبعه صمت طويل. حينها يفقد المواطن إحساسه بأن صوته يغيّر شيئًا، وتفقد المؤسسات روحها التي وُجدت من أجلها.

الشرعية لا تُستمد من لقب أو حصانة، بل من خدمة حقيقية تُرى وتُقاس. السلطة، بكل فروعها، لا تقوى إلا حين تبقى وفية لمن منحها الحق في الوجود… الشعب. فإذا عاد الجميع إلى هذا الأصل، عادت الحصانة إلى معناها الصحيح، واستعادت الدولة توازنها، وعاد الوعد الانتخابي عهدًا يُحترم… لا شعارًا يذوب مع أول إعلان للنتائج.

هناك تعليق واحد:

  1. هذا الامر جلي وواضح بين بعض النواب فلماذا لم يوضع قانون يلزم النائب باداء واجبه تجاه الشعب
    ويؤدي حقهم بأمانه
    والا يتم عزله وترفع عنه الحصانة التي يتخذها من اجل مصالح شخصية

    ردحذف

Post Top Ad

Your Ad Spot