كتب / عماد سمير
في زحام القاهرة وصمت القرى البعيدة، تدور رحى معركة يومية صامتة، أبطالها ملايين المصريين الذين استيقظوا ليجدوا أن "تأمين اليوم" أصبح في حد ذاته إنجازاً يستحق الاحتفاء. لم يعد الحديث عن "الغلاء" مجرد شكوى عابرة في وسائل المواصلات، بل تحول إلى رفيق دائم يجلس مع العائلات على مائدة الطعام، ويشاركهم التخطيط لمستقبل يبدو أحياناً ضبابياً.
فقه الأولويات: هندسة اليوم المصري
يبدأ يوم المواطن المصري قبل شروق الشمس، لا بحثاً عن الرفاهية، بل ركضاً خلف "لقمة العيش". ومع القفزات المتتالية في أسعار السلع والخدمات، تحول العقل المصري إلى "آلة حاسبة" لا تهدأ.
سياسة الاستغناء: تخلى الكثيرون عن "الكماليات" التي كانت قبل سنوات قليلة أساسيات. الرحلات الصيفية، الخروجات العائلية، وحتى بعض أنواع الفاكهة واللحوم، تحولت إلى زوار ثقلاء لا يحضرون إلا في المناسبات.
البحث عن البديل: نشطت ثقافة "البدائل الشعبية". إذا ارتفع سعر الزيت، كان البحث عن العروض هو الحل، وإذا غلا ثمن اللحوم، أصبحت "الأكلة الحرشة" (البقوليات) هي سيد الموقف.
الدروس الخصوصية والديون: يظل التعليم والدروس الخصوصية هما "الثقب الأسود" في ميزانية الأسرة، حيث يقتطع المواطن من لحمه الحي لضمان مستقبل أبنائه، مؤمناً بأن الشهادة هي الملاذ الأخير من الفقر.
الحلم المؤجل: متى تأتي "الراحة"؟
خلف هذا الصراع اليومي، هناك أحلام ركنها أصحابها على أرفف "الانتظار". الشاب الذي كان يخطط للزواج وجد نفسه أمام تكاليف تأثيث منزل تفوق طاقته بأضعاف، والأب الذي كان يحلم بترميم بيته أو شراء سيارة صغيرة بات يرى أن "الستر" هو الحلم الأكبر.
"ليس الخوف من الغلاء فقط، بل من تلاشي القدرة على التخطيط للغد. نحن نعيش اليوم بيومه، ونؤجل كل ما هو جميل إلى حين ميسرة." — (لسان حال مواطن في المترو).
نكات رغم الألم: "الفكاهة" كآلية دفاع
رغم قسوة المشهد، لم يفقد المصري سلاحه الأمضى: خفة الظل. تتحول الأزمات الاقتصادية في مصر إلى "كوميكس" ونكات يتداولها الناس عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي المقاهي. هذه السخرية ليست استهانة بالوضع، بل هي وسيلة "تفريغ نفسية" تساعدهم على مواصلة الحياة دون الانفجار تحت ضغط الأرقام.
التكافل الاجتماعي: الجسر الذي لا ينقطع
ما يزال "الخير في أمتي" شعاراً واقعياً في الشارع المصري. تظهر في الأزمات مبادرات شعبية لافتة:
الجمعيات المالية: تلك الدورة التكافلية التي تجمع الأقارب والجيران لفك كرب أحدهم.
شنط الخير وموائد الرحمن: التي لم تعد تقتصر على رمضان، بل أصبحت ثقافة مستمرة لمساعدة الأسر الأكثر احتياجاً.
شهامة "ولاد البلد": حيث تجد التاجر البسيط يتغاضى عن جزء من ربحه لمساعدة جاره الذي ضاق به الحال.
خاتمة: صلابة المعدن
إن حياة المواطن المصري اليوم هي قصة صمود فريدة. بين ضجيج الأسعار وهدوء الأحلام المؤجلة، يبقى هذا المواطن قادراً على الابتسام، قادراً على العمل في وظيفتين وثلاث، ومصراً على أن "بكرة أحلى". إنها معركة إرادة، يثبت فيها المصري كل يوم أن معدنه يزداد لمعاناً كلما اشتدت عليه الضغوط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق