حين أكتمل عقد الأسرة في شقة "أخمين" بمحافظة سوهاج، تغيّر كل شيء.
لم تكن الجدران الأربع قد اتسعت فجأة، لكن الضيق لم يعد ضيقًا حين احتضنَ القلوب جميعها.
في مساء دافئ، كانت الأم "أنعام" تعد العشاء بصوتها المعتاد تغني "يا ورد على فل وياسمين" بينما يركض "محمود" خلف "أحمد"، و"سحر" و"آمال" تجلسان على السجادة العتيقة في الصالة على الطالة، تحاولان ترتيب دفاترهما الجديدة للمدرسة.
"محمد" الأخ الأكبر، جلس في الزاوية يقرأ جريدة بصوت متهكم، كأنه يقلد المذيعين، فتضحكت "سحر" و هي تقول:
-- "تتخيل أنك مذيع… أو أنك مهرّج....!"
فردّ عليها و هو يضحك:
ــ "وهل يوجد بيت دون مهرّج فيه يضحّك الجميع....؟"
كانت تلك الجملة تُلخص كل شيء.
البيت، الذي عاش سنوات من الشتات، عاد يتنفس دفئًا.
لم تكن الأمور مثالية… الشقة صغيرة، والموارد محدودة، والمدرسة الجديدة تحتاج إلى وقت للتأقلم.
لكن في كل مساء، حين يجتمعون حول طاولة الطعام، كانت نظراتهم لبعضهم تقول:
يكفينا أننا سويًا.
كانت الأم تنظر لهم وهي توزع الأطباق:
ــ "أريدكم سنداً لبعضكم البعض… لا أحد يترك الآخر بمفرده."
كبرت "سحر" سريعًا وسط هذا الجو… لم تعد فقط الطفلة المجتهدة، بل أصبحت الأخت التي تحتضن "آمال" حين تبكي، وتشرح لمحمود جدول الضرب بطريقة مضحكة، وتستمع لحديث "محمد" عن مستقبله في الثانوية الصناعية.
وكان "لأخمين"، بقراها وأزقتها، طابع خاص.
كانت القرية تمدّهم بصلابة الأرض، والناس هنا رغم تعبهم، يتبادلون التحية بصدق.
حين خرجت "سحر" و"آمال" في أول يوم إلى المدرسة، كانت الجارات يلقين السلام، تقول واحدة:
ــ "ما شاء الله… بنات أنعام.....؟
ربنا يبارك فيهم....!"
فردّت "سحر" السلام بخجل، و هي تبتسم و"آمال" كانت تتشبث بذراع أختها.
في المدرسة، كانت البداية متوترة، لكن "سحر" بدأت تتأقلم أسرع مِن المتوقع.
كان هناك شيء تغير فيها… ربما لأن بيتها صار خلفها، لا في خيالها فقط.
لم تعد تخاف مِن نظرات المعلمات، ولا مِن نظرات التلاميذ.
فقط كانت تنظر للأمام.
وفي مساء الخميس، حيث لا توجد مدرسة يوم الغد، كانوا يجتمعون بعد العشاء يسهرون ويتسامرون، يحكون قصصهم، يضحكون ويتسلوا بالمكسرات واللب،و يتناوبون على غسل الصحون لمساعدة الأم "أنعام".
وبعدالإنتهاء مِن الأعمال المنزلية وترتيب البيت تجلس "أنعام" بينهم، وتمسك بيد "سحر" و"آمال" وتقول:
ــ "كل شيئاً جميل يأتي ونحن مع بعض سوياً… هذه نعمة… ربي لا يحرمنا مِن تجمعنا معاً ولا ينقص منا أحد ويرجع لنا "رفاعي" بخير ليكتمل جمع شملنا."
تبسمت "سحر"، وأغمضت عينيها، وتمنت في سرّها أن يظل هذا البيت كما هو لا فراق بينهم،
لا بيتاً كبيرًا…ولا بيتاً فاخرًا…تمنت فقط أن يكون بيتاً عامرًا بأهله.
وكانت تلك هي أول مرة تشعر فيها ،أن الحياة رغم قسوتها تمنحها دوماً بالكثير. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق