الاثنين، 9 فبراير 2026

إلى بيت الحاجة حسنه


في صباحٍ خريفي هادئ، وبينما كانت الشمس تتسلل خجولة مِن خلف الجبال حملت الأم قلبها بين يديها، واتخذت قرارًا لم يكن سهلًا عليها.

فبعد أن ضاق بها الحال، وكثرت أعباؤها بين الحضانة والبيت ومراعاة أولادها، وغياب الزوج بين موانئ العالم.

قررت الأم "آنعام" أن تبعث "سَحر" و"آمال" الإبنة الكبرى إلى حضنٍ أكثر سكونًا إلى المكان الذي تربّت فيه هي ذاتها… بيت الحاجة "حسنه " في قرية "النّوايا" بمحافظة "أسيوط".

كانت "النّوايا" قرية صغيرة في أحضان الجبل، هادئة كأن الزمن قد نسيها، أو أنها اختارت البقاء في أحضان الماضي طوعاً.

الطرق إليها ترابية تتخللها الحقول الخضراء، وأشجار التين والعنب، وصوت خرير الماء الجاري في الساقية القديمة ينبأ بأن الحياة هنا تسير ببطء .

بيت الحاجة " حسنه " لم يكن بيتًا بالمعنى المعتاد.
كان أشبه بكوخٍ صامد في وجه الزمن بُني مِن ألواح خشبية قديمة، ومغطّى بصفيح مموج مجلفن تُصدره الرياح صوتًا يشبه أنين الذاكرة.

بابه مائل قليلاً يصرخ حين يُفتح، لكنّه يرحب بكل عابر.

الجدران مغطاة بطبقة مِن الطين المعجون بالتبن، وتزينها صور قديمة لأشخاص لم يعودوا على قيد الحياة.

في الداخل تفوح رائحة الشاي البلدي الثقيل، والنعناع المجفف المعلّق في حُزم على الحائط.

الأرض مفروشة ببُسطٍ مِن الكليم اليدوي بعضها مهترئ، ولكنه نظيف.

الغرفة الكبيرة كانت تسكنها الحاجة " حسنه " امرأة تجاوزت الستين، لكنّ عينيها لازالتا تلمعان كأنها لم تشبع مِن تأمل الحياة.

وجهها محفور بالتجاعيد، لكنها لا تخفي الطيبة، وكانت تضع على رأسها "منديل أبيض" وتلف جسدها بعباءة داكنة تسير بخطى ثابتة، وتحمل في يدها سبحة لا تفارقها.

الغرفة الثانية كانت صغيرة بها سريران حديديّان، وضعت فيهما "سَحر وآمال".

الفرش بسيط، مِن الصوف المحشو يدويًا، والوسائد تنبعث منها رائحة الشمس.

في الزاوية، وُضع صندوق خشبي قديم يحتوي على بعض ملابس الطفلتين، ودُمية "لسَحر" كانت قد نسيتها يومًا في بيتها لتجدها الأم وتضعها سرًا في الحقيبة.

عند وصولهما استقبلتهما الحاجة "حسنه" بذراعين مفتوحتين وقالت:

– "نورتي الدار يا بنت الغالية آنعام " كم إشتقت لرؤيتك" .

أمسكت بيدي "سَحر" ومررتها على خدها وقالت لها:
– " هنا بيتكم لا فيه شقا ولا غربة، لكنه به الدفء الذي في قلب والدتكم التي تخشون غيابها ."

بدأت الأيام تمضي والمدرسة الجديدة كانت تبعد مسافة لا بأس بها تسير إليها "سَحر" و"آمال" كل صباح بين الحقول.

"وكانت الحاجة "حسنه" تُعدّ لهما الفطور، وتنتظرهما ظهراً على عتبة الدار، وفي يدها رغيف مِن الخبز و قطعة مِن الفطير  المشلتت وطبق من الجبن البلدي".

في الليل كانت الحكايات تأخذ مكانها تحت ضوء مصباحٍ زيتي تروي الحاجة "حسنه" قصصًا مِن زمن الطفولة بينما تستند "سَحر" إلى صدرها وتهمس:
– "تتمنى الرحيل  معانا يا جدة عندما نسافر...؟"

تبتسم الجدة و هي تردّ على "سحر":

– "أنا لم أترك بيتي يكفي ما عشته في عمري اتركوني هنا، وسوف أنتظر منكم الأخبار الجميلة."

لم تكن "سَحر" تدري أن هذه الإقامة المؤقتة ستترك في قلبها علامات لا تُنسى، وأن هذا البيت العتيق سيكون أول مٓن علمها أن الحنان لا يُقاس بالفخامة، بل بالقلوب الصادقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot