الأربعاء، 21 يناير 2026

قطز والسادات: أوراق تتشابه رغم تباعد الأزمات

بقلم: أحمد المهدي صفوت
في دفتر التاريخ المصري، صفحات كُتبت بمداد من نور وانتهت بقطرات من دماء. وبين طيات هذه الصفحات، تبرز قصتان لشخصيتين غيرتا وجه المنطقة: الملك المظفر سيف الدين قطز، وبطل الحرب والسلام محمد أنور السادات. فرغم أن بينهما ما يقرب من سبعة قرون، إلا أن خيوط القدر نسجت لهما نهايات متشابهة لدرجة مذهلة، وكأن "المصير المحتوم" كان ينتظر بطل النصر في قمة مجده.
لحظة العبور.. من اليأس إلى النصر
كلاهما تسلم زمام الأمور في لحظة "تيه" وانكسار. قطز واجه زحف المغول الذي ابتلع الخلافة العباسية وهدد بفناء الإسلام، والسادات تسلم إرثاً ثقيلاً بعد هزيمة 1967 ووطنًا جريح الكرامة.
 * قطز: كسر أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" في عين جالوت عام 1260م.
 * السادات: كسر خط بارليف وأسطورة الجيش الإسرائيلي في أكتوبر 1973م.
في الحالتين، كان النصر "عبوراً" من حالة الموت السريري للأمة إلى بعث جديد.
المنصة والصالحية: غدر الرفاق؟
التشابه الأكثر إثارة للدهشة يكمن في النهاية. كلاهما لم يمت في ساحة المعركة بسيف عدو أو رصاصة خصم أجنبي، بل جاءت النهاية من "الداخل"، وفي لحظة الاحتفال بالنصر.
 * المظفر قطز: بعد نصره المؤزر، وبينما كان في طريق العودة للقاهرة، وتحديداً في منطقة "الصالحية"، قُتل غدراً على يد رفاقه في السلاح (وعلى رأسهم بيبرس) نتيجة صراعات على السلطة ووعود لم تنفذ. سقط قطز وهو "سلطان منتصر" لم يهنأ بثمرة فوزه طويلاً.
 * أنور السادات: في ذكرى نصر أكتوبر (6 أكتوبر 1981)، وبينما كان يجلس في "المنصة" محاطاً بجيشه وقادته، اغتالته رصاصات خرجت من صلب المؤسسة التي قادها للنصر. سقط السادات وهو "رئيس منتصر" وسط العرض العسكري الذي يخلد أمجاده.
أوراق تتشابه.. وتاريخ يعيد نفسه
إن المتأمل في سيرة الرجلين يجد أن كلاهما امتلك "جرأة القرار". قطز الذي صرخ "واإسلاماه" والمقامرة بكل شيء أمام المغول، والسادات الذي اتخذ قرار الحرب ثم قرار السلام بجرأة غير مسبوقة.
لكن يبدو أن ضريبة "التحولات الكبرى" في تاريخ مصر دائماً ما تكون باهظة. فالبطل الذي يكسر الجمود ويغير مجرى التاريخ، غالباً ما يدفع حياته ثمناً للحظة التحول تلك.
لقد عاش قطز بطلاً ومات شهيداً، وعاش السادات مغامراً ومات بطلاً.. وبينهما يبقى المصير المحتوم شاهداً على أن من يكتب التاريخ بدمه، قد يقرأ خاتمته برصاص أو سيف رفيق. 
إن التشابه بين قطز والسادات ليس مجرد صدفة زمنية، بل هو درس في سيكولوجية السلطة والنصر في الشرق. فالبطل الذي ينقذ الدولة من الفناء، يجد نفسه أحياناً في مواجهة مباشرة مع طموحات أو أيديولوجيات من ساعدوه على تحقيق هذا النصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot