السبت، 27 ديسمبر 2025

التريند وصناعة الوهم

ظاهرة إجتماعية ظهرت فى عصر السوشيال ميديا تعرف بثقافة "التريند"، وأصبحت هذه الظاهرة مسؤولة عن تشكيل العقول وتوجيه السلوك في المجتمع بشكل سريع ومخيف. فقد بات المواطن العادي اليوم جزءًا من المجتمع الرقمي، يتأثر ويتفاعل مع كل ما يتصدر منصات التواصل الاجتماعي من قضايا اجتماعية، ومواقف سياسية، أو حتى دينية.
أصبح التريند لغة العصر، وأحد أكثر الأدوات نفوذا وانتشارا. ولعل أبرز ما يميزه هو قدرته على منح المواطن وصولًا سريعًا إلى المعلومات، وجعله شريكًا في تشكيل الرأي العام. لكن، وعلى الرغم من هذه الإيجابية الظاهرة، فإن محتوى التريند قد يحوّل المواطن إلى فرد منفعل، متأثر، ومستجيب لتأثير المحتوى المدعوم بالصور، الفيديوهات، والشائعات، دون تحقق أو تدقيق.
إذ يجد الفرد نفسه أحيانًا مدفوعًا بتيار أو مساهمًا في سياق اجتماعي أو قضايا لا تمسه من الأساس، متنازلًا عن معتقداته وهويته الشخصية. وفى ظل انتشار التريندات، تتزايد مخاطر الأخبار المزيفة والمعلومات المضللة، التي تتحول إلى قضايا رأي عام تؤثر في الحياة الثقافية، الاجتماعية، والسياسية، مما يشكل خطرًا حقيقيًا وارتباكًا يؤثر سلبًا على سلوك الفرد وقراراته.
أما على مستوى المجتمع، فإن التريندات غالبًا ما تخلق حالة من الالتفاف المؤقت، وحشد الرأي، والضغط على صناع القرار في لحظة واحدة تجاه بعض القضايا المثارة، خاصة ذات الطابع السياسي أو الديني. وبذلك يتراجع دور الحوار وأشكال التواصل التقليدي، ويتضاءل صوت المؤسسات المسؤولة لصالح قوة السوشيال ميديا وقادة الرأي الجدد.
هنا تكمن خطورة التريند في استغلاله ضمن حملات منظمة أو موجهة لخلق رأي عام مشوّه، أو لدفع المجتمع نحو زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى. ولهذا، أصبح الأمن القومي بحاجة دائمة إلى رصد التريندات، وتحليلها، واحتوائها، ومواجهتها، حتى لا تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي.
كما بات من الضروري تعزيز المناعة المجتمعية، وبناء وعي رقمي لدى المواطن والمجتمع، خصوصًا الفئات العمرية الصغيرة، من خلال التحقق من مصادر المعلومات، والتفكير المنطقي قبل الانسياق خلف كل موجة رائجة.
فثقافة التريند سلاح ذو حدين؛ تحمل في طياتها سرعة التضامن، والتغيير الإيجابي، ونشر الوعي، لكنها تحمل أيضًا مخاطر الفوضى وتهديد السلم الاجتماعي إذا غاب الوعي وظل المواطن أسير التريند.
#قلم_ياسر_نبيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot