تحياتي/د. فاطمة الزهراء عزب من واقع الأحلام ... ثمة أحلام لا تموت حين نفقد أصحابها، بل تظل معلّقة في مكان ما من أرواحنا، كأنها تنتظر اكتمالًا لن يأتي. وثمة أنواع من الحب لا تنتهي بالفراق، وإنما تتحول إلى أسئلة مفتوحة، تسكن الذاكرة وتعيد تشكيل نظرتنا إلى الحياة والآخرين وأنفسنا..
لعل المأساة الحقيقية في الحب ليست أن نفقد من أحببنا، بل أن نفقد المعنى الذي صنعناه بوجوده. أن نكتشف فجأة أن المستقبل الذي عشنا تفاصيله في خيالنا لم يكن سوى بناء هشّ أقامه قلب واحد، بينما كان القلب الآخر يعيش اللحظة دون أن يعقد معها عهدًا بالبقاء..
الحب، في أحد وجوهه الفلسفية، هو رهان الإنسان على الخلود في عالم عابر. نحن نحب لأننا نريد أن نهزم الزمن، أن نجد في شخص آخر مساحة لا يطالها التبدل، وأن نقنع أنفسنا بأن هناك شيئًا في هذا العالم يمكن أن يبقى كما هو. لكن الحياة لا تعترف بوعودنا، والقلوب ليست عقودًا أبدية، والأشياء التي تبدو لنا يقينًا قد تتحول في لحظة إلى احتمالات ضائعة..
كم يبدو الإنسان هشًّا حين يعلّق جزءًا من وجوده على شخص آخر! يمنحه مفاتيح فرحه، ويأتمنه على مخاوفه، ويضع بين يديه أحلامًا لم يجرؤ يومًا على الاعتراف بها. ثم يكتشف أن الحب لا يمنحنا بالضرورة حق البقاء، وأن صدق المشاعر لا يضمن عدالة النهايات..
وهنا تبدأ الفلسفة الأكثر قسوة: هل كان الحب ناقصًا، أم أن الإنسان بطبيعته يبحث عن اكتمال يستحيل بلوغه؟ هل خذلتنا الحكاية، أم خذلتنا تصوراتنا المثالية عنها؟ ربما لم يكن وجعنا كله في الرحيل، بل في المسافة الشاسعة بين الإنسان الذي أحببناه والإنسان الذي اكتشفناه، وبين الحياة التي وعدتنا بها مخيلتنا والحياة التي حدثت بالفعل..
إن الأمل المبتور لا يترك خلفه فراغًا فحسب، بل يترك إنسانًا يعيد النظر في مفاهيمه. يصبح أكثر حذرًا تجاه الوعود، وأكثر شكًّا في النهايات السعيدة، وربما أكثر خوفًا من البدايات. ليس لأنه فقد قدرته على الحب، بل لأنه أدرك أن القلب قد يكون صادقًا تمامًا، ومع ذلك لا يصل إلى ما يريد..
ومع ذلك، لعل النضج الحقيقي لا يكمن في أن نتوقف عن الحلم، بل في أن نتحرر من وهم أن اكتمالنا مرهون بإنسان آخر. فليس كل ما لم يكتمل كان خطأ، وليس كل ما انكسر كان بلا قيمة. بعض التجارب تأتي لتكشف لنا هشاشتنا، وبعض الخيبات تنزع عن أعيننا أوهامًا كنا نظنها حقائق..
وربما تكمن المفارقة الكبرى في الحب في أننا ندخل إليه بحثًا عن أنفسنا في الآخر، ثم نخرج منه مضطرين إلى البحث عن أنفسنا من جديد..
الحب... حلم ناقص، وأمل مبتور، وحقيقة مؤجلة؛ إنه تلك المساحة الغامضة بين ما تمنيناه وما حدث، بين قلب آمن بالبقاء وحياة لم تعد بشيء. وربما لا تكون المأساة أننا لم نحصل على النهاية التي أردناها، بل أننا أمضينا عمرًا نحاول أن نفهم لماذا لم تكن كل تلك المشاعر الجميلة كافية لصناعة حياة مشتركة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق