حين تتهاوى الفطرة وتنتكس القيم في أيامنا هذه، تخرج علينا إحدى الممثلات الشابات القادمات من وسط فني يُفرضها على الذوق العام، لتعلن جهاراً حضورها حفل زفاف لمثليّين، مبررة ذلك بأنه نوع من الحرية إن هذه ليست حرية بأي حال، بل هي انتكاس أخلاقي ومخالفة صريحة للطبيعة البشرية، وخلل في البيئة التي نشأت فيها؛ فلو كان هناك رادع من دين أو خلق لما صدر هذا الفعل. وكيف يقبل أبٌ أن يتحول ابنه الذي أمله ليكون رجلاً يشار إليه بالبنان إلى هذا السلوك المحزن، فلا هو بالرجل ولا بالمرأة، يرتدي ملابس النساء ويضع أدوات التجميل بلا خجل ولا حياء؟ إنها صورة تفطر القلوب وتدعو للأسى. وفي مشهد آخر من مشاهد التردي، يطل علينا فنان تقدمت به السن ليعتدي على ثوابت المجتمع، ويصف المرأة المسلمة المحجبة بـ المتخلفة، بعد مسيرة طويلة من تقديم المشاهد المبتذلة. هذا الفكر ينكشف أكثر حين نعود لمواقف صاحبه، بدءاً من تصريحاته السابقة عن زوجته الممثلة عن رأيه فيها أنها بتبوس كويس في الافلام وصولاً إلى موقفه مع إحدى الممثلات حين طالبت في أحد المشاهد بتقديم العلاقة المحرمة بالإيحاء فقط، فما كان منه إلا أن اتهمها بالتعقيد متسائلاً عن سبب الامتناع عن تمثيل المشهد واقعياً إنهم فئة ينطبق عليها قول الله تعالى: أُولَٰئِك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ. ويوكتمل مشهد الزيف حين نرى الترويج لأكذوبة خلع الحجاب لدى ممثلة أخرى، بينما الواقع يكذّب هذه الأكذوبة من أساسها؛ فهي لم ترتدِ الحجاب يوماً لكي يُحتفى بخلعها له، وإنما كانت تداري خصلات شعرها بـ باروكة تصنع الوهم وتخدع بها الأبصار، فما كان خلعها للباروكة إلا إسقاطاً لآخر قناع زائف من أقنعة التزييف الفني. إنها لمهزلة فكرية أن يُحتفى بمن تخلت عن زيفٍ صوري، لتُصوَّر في إعلامٍ موجه كأنها رمز للتحرر والانعتاق وحين تتهاوى المعايير الأخلاقية وتُغيب الأصوات المنادية بالفطرة السليمة، لا يتوقف الأمر عند السلوكيات الفردية، بل يمتد هذا السقوط الممنهج ليطول براءة الأطفال عبر كابوس الاعتداء الجنسي والانحراف، تاركاً ندوباً نفسية وعاطفية لا تمحى. فالطفل الذي يتعرض لهذا الجرم يعيش أسيراً للفزع الدائم والخوف المستمر، تحاصره الذكريات المؤلمة والكوابيس، وتغمره مشاعر زائفة بالذنب والعار، مما يدفعه إلى العزلة والاضطراب النفسي وتراجع التحصيل الدراسي والتدهور النمائي. فهل يقبل عاقل أن يتعرض أبناؤنا لشيء من هذا الإجرام؟ أم هل نرضى بنشوء أجيال تفقد هويتها وطبيعتها، نرى فيها من يرتدي ملابس النساء ويتخلّى عن مقتضيات رجولته بدعوى الحقوق؟ إن تزيين السقوط وتجميل الانحلال وتحويل الابتذال إلى بطولة وهمية ليس إلا محاكمة ممنهجة للفطرة السليمة، وسعياً محموماً لطمس المعايير الثابتة التي تقيس بها الأمم عراقتها وأخلاقها. وإن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي والفكري تتطلب موقفاً حازماً لا يتردد، وحراسة صارمة للكرامة الإنسانية والفطرة السوية، لحماية المجتمع وأبنائه من الغرق في مستنقع التفكك والخراب. وحين تغيب الأصوات الحرة الرشيدة، وتُرفع رايات التحلل، تصبح حراسة الفضيلة فرض عين لا مساومة فيه. وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله تحذيراً من انتكاس المقاييس وانقلاب الموازين: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.بقلم
: الكاتبة والشاعرة سالي النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق