بقلم: د. عبير عبدالخالق
أخطر ما قد يحدث لك في هذه الحياة ليس أن يخدعك عدوّك، بل أن تكتشف يومًا أن الشخص الذي اطمأن إليه قلبك، ودافعت عنه أمام الآخرين، ومنحته ثقتك دون حساب، لم يكن يومًا كما ظننته. أن تعود بذاكرتك إلى مواقف كثيرة، فتكتشف أن ما اعتبرته محبة كان مصلحة، وما فهمته وفاءً كان انتظارًا لفرصة، وما حسبته صدقًا لم يكن سوى قناع أُحكم ارتداؤه حتى اللحظة التي سقط فيها.
عندها فقط، لا تتغير نظرتك إلى شخص واحد، بل تهتز صورتك عن عالم كامل كنت تظنه أكثر وضوحًا ونقاءً. تتساءل في صمت: كم وجهًا عرفته ولم أعرف حقيقته؟ وكم كلمة صدقتها لأنها جاءت ممن أحببت؟ وكم مرة خدعتني ابتسامة لم يخطر ببالي أن وراءها كل هذا التناقض؟
إننا نعيش زمنًا لم تعد فيه الأقنعة مجرد وسيلة لإخفاء الحقيقة، بل أصبحت عند البعض أسلوب حياة؛ يتقنون الظهور أكثر مما يتقنون الصدق، ويجيدون اختيار الكلمات أكثر مما يجيدون الوفاء بها، ويحرصون على أن يراهم الناس بصورة مثالية، حتى لو كانت الحقيقة التي يخفونها أبعد ما تكون عن تلك الصورة.
ففي مجتمع الأقنعة، ليست المشكلة أن هناك من يخدعك، بل أن الخداع قد يأتيك في صورة الشخص الذي كنت تظن أنه الملاذ الآمن من خيبات الحياة.
لقد أصبحت المصلحة عند بعض الناس معيارًا للعلاقات، وصار الاقتراب من الآخرين أحيانًا وسيلة لتحقيق مكسب، لا تعبيرًا عن محبة صادقة. تجد من يقترب منك حين يحتاج إليك، ويغدق عليك المديح حين ينتظر منك شيئًا، ثم يتوارى حين تنتهي حاجته، أو تتبدل معاملته عندما لا تعود قادرًا على تلبية رغباته. وقد تجد من يتحدث كثيرًا عن الوفاء، لكنه يتخلى عنه عند أول اختبار حقيقي، ومن يرفع شعارات المحبة، بينما لا يعرف لها معنى حين تتعارض مع مصالحه.
والأشد إيلامًا أن بعض الأقنعة لا ترتديها الوجوه الغريبة، بل الوجوه التي اعتدناها، والأشخاص الذين منحناهم مساحة آمنة في قلوبنا، وشاركناهم أسرارنا، وظننا أن ما يجمعنا بهم أكبر من تقلبات الأيام. فليست كل خيبة تأتي من عدو واضح، وليست كل الطعنات متوقعة؛ أحيانًا تأتي الصدمة من شخص لم نتخيل يومًا أن نحتاج إلى الحذر منه، لأننا لم نرَ فيه إلا الصورة التي اختار أن يعرضها علينا.
وقد لا يكون الزيف دائمًا كذبة صريحة؛ فقد يظهر في وعد لا يُنفَّذ، أو سر يُفشى بعد أن اؤتمن صاحبه عليه، أو غياب متعمد وقت الحاجة، أو تبدل مفاجئ في المواقف عندما تتغير المصالح. فالحقيقة لا تكشفها الكلمات وحدها، وإنما تكشفها التفاصيل الصغيرة، والمواقف الصعبة، واللحظات التي تتعارض فيها المبادئ المعلنة مع السلوك الفعلي.
كم من إنسان أتقن الحديث عن الأخلاق، لكنه أخفق في أول اختبار لها! وكم من شخص بالغ في إظهار المحبة، ثم كشف موقف واحد أن تلك المحبة كانت مرتبطة بما يحصل عليه، لا بمن يمنحه إياه! وكم من إنسان ظن أن كثرة من حوله دليل على صدق العلاقات، ثم اكتشف أن بعض الحضور لا يعني بالضرورة وجود المودة، وأن كثرة الكلمات لا تعني عمق المشاعر، وأن القرب لا يضمن بالضرورة صدق القلوب.
ومع ذلك، ليس من الحكمة أن نحكم على الجميع بسوء النية، أو أن نرى خلف كل ابتسامة خداعًا، وخلف كل مجاملة غرضًا خفيًا. فالبشر ليسوا نسخًا متشابهة، والاختلاف لا يعني الخيانة، والصمت لا يعني الحقد، والابتعاد لا يعني بالضرورة التخلي. لكن النضج الحقيقي يقتضي أن نحسن الظن دون أن نعطل عقولنا، وأن نمنح الثقة دون أن نتنازل عن حقنا في المراجعة، وأن نحب دون أن نفقد قدرتنا على رؤية الحقيقة.
إن المشكلة ليست في أن نكتشف أن بعض الناس يرتدون الأقنعة، بل في أن نسمح لاكتشافاتهم بأن تغيّر أجمل ما فينا. فكم من إنسان كان صادقًا، ثم دفعته الخيبات إلى الشك في الجميع! وكم من قلب كان واسعًا، ثم أغلق أبوابه خوفًا من تكرار الألم! وكم من شخص منح الآخرين فرصًا جديدة، ثم أقسم بعد خذلانه الأخير ألا يمنح أحدًا فرصة أخرى!
لكن هل يستحق المخادعون أن نخسر بسببهم قدرتنا على الحب؟ وهل ينبغي أن تتحول تجاربنا المؤلمة إلى أحكام قاسية على كل من يقترب منا؟ إن الحذر مطلوب، لكنه لا يعني أن نعيش أسرى الخوف، وحماية النفس ضرورة، لكنها لا تستلزم أن نتحول إلى أشخاص لا يشبهون حقيقتنا.
ليس المطلوب أن نكون طيبين بلا حدود، بل أن نعرف متى نعطي، ولمن نعطي، ومتى يكون التسامح فضيلة، ومتى يصبح الاستمرار في العلاقة استنزافًا لكرامتنا. وليس المطلوب أن نكشف أسرار الجميع، بل أن نمنح كل إنسان المساحة التي تثبتها أفعاله، لا المساحة التي تفرضها كلماته. فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، والوفاء لا يُقاس بالوعود، والمحبة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض دائم؛ لأنها تظهر في الاهتمام الصادق، واحترام الغياب، وحفظ الأسرار، والثبات حين تتغير الظروف.
وفي عالم أصبحت فيه الصورة أحيانًا أكثر أهمية من الحقيقة، قد ينجح البعض في إقناع الآخرين بما ليس فيهم، وقد يحظى المظهر بإعجاب لا يستحقه صاحبه، بينما يمر الصادقون دون ضجيج. لكن الزمن يظل قادرًا على كشف الفوارق بين من يجيد الحديث عن القيم ومن يعيش بها، وبين من يقترب من الناس ليأخذ منهم، ومن يقترب ليشاركهم الحياة بصدق.
فلا تنخدع ببريق الكلمات، ولا تجعل كثرة المديح دليلًا قاطعًا على المحبة، ولا تقس مكانتك عند الآخرين بما يقولونه أمامك، بل بما يفعلونه حين تغيب، وبما يحفظونه لك حين تختلف المصالح، وبما يبقى من مودتهم عندما لا يكون لديهم ما ينتظرونه منك. فالمواقف وحدها تمنح الكلمات معناها الحقيقي، والأيام كفيلة بإظهار الفارق بين من أحبك لشخصك، ومن أحب ما يمكن أن يحصل عليه من خلالك.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في مجتمع الأقنعة أن يحافظ على وجهه الحقيقي؛ أن يظل صادقًا دون سذاجة، وطيبًا دون ضعف، ومتسامحًا دون أن يسمح بتكرار الأذى، وأن يتعلم من خيباته دون أن يجعلها مبررًا لإيذاء الآخرين. فالنقاء ليس أن تجهل وجود الزيف، بل أن تعرفه وتختار ألا تصبح جزءًا منه.
وفي النهاية، تذكّر أن القناع قد يخدع العيون، وقد يربح صاحبه تصفيقًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع حقي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق