الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

«كلنا تعبانين»… العبارة التي تُخفي وراءها آلاف الأوجاع الصامتة

✍️ د. عبير عبدالخالق
دكتوراه الصحة النفسية

في مجتمعاتنا العربية، اعتدنا أن نُخفي آلامنا خلف كلمات تبدو عادية، لكنها قد تحمل في أعماقها حكايات طويلة من التعب والصمت. نقول لمن يشتكي: «استحمل، كلنا تعبانين»، ولمن يعترف بأنه لم يعد بخير: «شد حيلك، الحياة مش سهلة»، وكأن معاناة الجميع تمنحنا الحق في تجاهل معاناة بعضنا.

لكن هل فكّرنا يومًا فيما قد تخفيه هذه العبارة البسيطة؟ كم إنسانًا ابتلع دموعه بعد أن سمعها؟ وكم قلبًا تراجع عن البوح لأنه أدرك أن ألمه لن يجد من يصغي إليه؟ وكم شخصًا عاد إلى وحدته، متظاهرًا بالقوة، بعدما جاء يبحث عن كلمة تُشعره بأنه ليس وحده؟

ليست المشكلة أن نتعب جميعًا، بل أن نستخدم تعبنا المشترك سببًا لإسكات بعضنا.

في ظل ضغوط الحياة المتزايدة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق بشأن المستقبل، وتراكم المسؤوليات الأسرية والمهنية، أصبح كثيرون يعيشون في سباق يومي لا يمنحهم فرصة كافية لالتقاط أنفاسهم. أبٌ يحمل هموم أسرته ويحاول ألا يُظهر انكساره، وأمٌ تستنزفها المسؤوليات وتؤجل احتياجاتها من أجل الجميع، وشابٌ يواجه مستقبلًا غامضًا ويخشى ألا يستطيع تحقيق ما يُنتظر منه، وفتاةٌ تخفي قلقها حتى لا تُتهم بالمبالغة أو الحساسية الزائدة.

يمضي كلٌّ منهم في حياته، يؤدي واجباته ويبتسم للآخرين، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف أحد تفاصيلها. وقد لا يكون قادرًا على تغيير ظروفه في الوقت الحالي، لكنه يحتاج على الأقل إلى مساحة آمنة يستطيع فيها التعبير عن تعبه دون أن يشعر بالخجل أو الذنب.

غير أن ثقافة الصمت التي تربّى عليها كثيرون تجعل الاعتراف بالألم أمرًا صعبًا. فمنذ الطفولة، يسمع البعض أن البكاء ضعف، وأن الشكوى قلة صبر، وأن الإنسان القوي هو الذي يتحمل كل شيء وحده. ومع مرور الوقت، يتعلمون إخفاء مشاعرهم بدلًا من فهمها، وتجاهل احتياجاتهم بدلًا من التعبير عنها، حتى يصبح طلب المساعدة عبئًا نفسيًا إضافيًا يخشون مواجهته.

وهنا يتحول الصبر، الذي يفترض أن يمنحنا القدرة على تجاوز الصعوبات، إلى ضغط يجبرنا على إنكار معاناتنا. وننسى أن القوة لا تعني ألا نتألم، بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بما نشعر به، وأن نبحث عن الوسائل التي تساعدنا على التعامل معه.

فليس كل صامتٍ بخير، وليس كل مبتسمٍ سعيدًا، وليس كل من يواصل حياته قادرًا على تحمّل المزيد.

وقد تكون العبارة التي نقولها بنية التخفيف عن الآخرين سببًا في زيادة شعورهم بالوحدة. فعندما نقول لشخص يعاني: «غيرك عنده مشاكل أكبر»، فإننا لا نخفف ألمه، بل ندفعه إلى الاعتقاد بأن معاناته لا تستحق الاهتمام. وعندما نطالبه بأن يكون ممتنًا لما لديه بدلًا من أن نستمع إلى ما يؤلمه، فإننا نخلط بين الامتنان وإنكار المشاعر؛ فالإنسان يستطيع أن يقدّر النعم في حياته، وفي الوقت نفسه يشعر بالتعب أو الخوف أو الحزن.

المعاناة ليست مسابقة، ولا يحتاج الإنسان إلى إثبات أن ألمه أكبر من ألم الآخرين حتى يستحق أن يُسمَع ويُفهَم.

ومن المهم أن ندرك أن التعب النفسي لا يظهر بالطريقة نفسها لدى الجميع. فقد يعبّر عنه أحدهم بالبكاء، بينما يختار آخر العزلة، وقد يواصل شخص عمله وواجباته بصورة طبيعية رغم معاناته الداخلية. كما أن الاكتئاب ليس مجرد حزن عابر، ولا نتيجة حتمية لكبت المشاعر، بل حالة نفسية معقدة تتداخل في أسبابها عوامل متعددة، وتحتاج إلى الفهم والرعاية المناسبة، وقد تتطلب مساعدة متخصصة.

لذلك، لا ينبغي أن نختزل المعاناة النفسية في ضعف الشخصية أو نقص الإرادة أو قلة الإيمان، ولا أن نطالب من يعاني بأن يتجاوز ألمه بمجرد أن يقرر التفاؤل. فبعض المعاناة تحتاج إلى احتواء ودعم، وبعضها يحتاج إلى تدخل متخصص، والتقليل منها لا يجعلها تختفي، بل قد يزيد صاحبها شعورًا بالعجز والوحدة.

ماذا لو استبدلنا «كلنا تعبانين» بكلمة أكثر رحمة؟

ماذا لو توقفنا قليلًا قبل أن نطلق أحكامنا، ومنحنا من أمامنا فرصة للكلام؟ ماذا لو سألنا بصدق: «ما الذي يزعجك؟ أنا أستمع إليك»، بدلًا من أن نسارع إلى تقديم النصائح أو مقارنة ظروفه بظروف غيره؟

قد لا نملك حلولًا لكل المشكلات، ولا نستطيع إزالة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل حياتنا، لكننا نستطيع أن نخفف وطأتها على بعضنا. نستطيع أن نجعل بيوتنا أكثر أمانًا للحوار، وعلاقاتنا أكثر رحمة، وأن نمنح أبناءنا الحق في التعبير عن مشاعرهم دون سخرية أو توبيخ.

نستطيع أن نتعلم الإصغاء دون مقاطعة، والاحتواء دون إصدار الأحكام، واحترام مشاعر الآخرين حتى عندما لا نفهم تمامًا أسبابها. وإذا لاحظنا أن أحدًا يعاني باستمرار أو أن حالته النفسية تؤثر في حياته اليومية، فيمكننا تشجيعه على طلب المساعدة من مختص، بدلًا من الاكتفاء بمطالبته بالصبر والتحمل.

فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى من يخبره كيف يحل مشكلاته بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على ترتيب أفكاره، ويمنحه شعورًا بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة كل شيء وحده.

رسالة أمل… حين تصبح الرحمة لغةً لا تُسكت الألم

ربما لن نستطيع أن نخفف عن بعضنا قسوة الحياة، ولن نملك دائمًا حلولًا للهموم التي تثقل القلوب، لكننا نملك أن نختار ألّا نكون سببًا في تعميقها. نملك أن نصغي بدلًا من أن نحكم، وأن نحتوي بدلًا من أن نقارن، وأن نمنح الإنسان حقه في التعب دون أن نشعره بأنه أقل قوة أو قيمة.

فكم من إنسانٍ صمت لأنه لم يجد من يفهمه، وكم من قلبٍ أخفى انكساره لأنه خشي أن يُتَّهم بالضعف، وكم من روحٍ واصلت المقاومة في صمت، لا لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تجد مساحة آمنة تعترف فيها بألمها.

إن أخطر ما قد تفعله بنا ثقافة «كلنا تعبانين» ليس أنها تنكر أوجاعنا، بل أنها تُقنعنا بأن علينا أن نتعايش معها وحدنا، وأن نُخفيها حتى لا نُثقل على أحد.

لكننا لم نُخلق لنكون أقوياء طوال الوقت، ولم تُخلق العلاقات الإنسانية لتكون ساحات نتنافس فيها على مَن يتحمل أكثر؛ بل لنجد فيها ما يُعيننا على الاستمرار حين تثقل بنا الحياة.

لذلك، حين يخبرك أحدهم بأنه متعب، لا  
 تُسارع إلى تذكيره بأن الجميع يتألمون؛ فقد يكون قد أمضى طويلًا يحاول أن يبدو بخير، ولم يعد يحتاج إلا إلى شخص يسمعه دون أن يطالبه بتبرير مشاعره. وحين تجد نفسك أنت في تلك المساحة من الإنهاك، فلا تجعل صمت الآخرين دليلًا على أن ألمك لا يستحق أن يُقال، ولا تجعل حاجتك إلى المساعدة سببًا للخجل منها.

فليس المطلوب أن ننقذ بعضنا من كل ألم، بل ألّا نترك أحدًا يعتقد أن عليه أن يتألم وحده.

وربما لن نتذكر بعد سنوات كل الكلمات التي قيلت لنا، لكننا لن ننسى غالبًا مَن منحنا الأمان حين خذلتنا قدرتنا على التحمّل، ومَن استمع إلينا حين عجزنا عن الشرح، ومَن لم يطالبنا بابتسامة لم نكن نملكها.

فلنُغيّر العبارة التي اعتدنا أن نُسكت بها أوجاع بعضنا، ولنستبدل بها كلمة تفتح بابًا للحوار والأمل:

بدلًا من «كلنا تعبانين»… لنقل: «أعرف أن الحياة تُتعبنا جميعًا، لكن ألمك يهمّني، ولن أستهين بما تشعر به».

فقد لا تكون الرحمة قادرة على تغيير كل الظروف، لكنها قادرة على تغيير الطريقة التي يواجه بها الإنسان ألمه. وقد لا تكون الكلمة الحانية علاجًا للاكتئاب، لكنها قد تكون بداية لطلب المساعدة، وخطوة نحو التعافي، وتذكيرًا صادقًا بأن هذا الإنسان يستحق أن يُسمَع ويُسانَد.

لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مَن يُعلّمه كيف يتحمّل أكثر؛ أحيانًا يحتاج إلى مَن يذكّره بأن من حقه أن يتعب، وأن يطلب المساعدة، وأن يجد يدًا تمتد إليه قبل أن يضطر إلى إخفاء وجعه من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot