الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

حين يأتي عدل الله… تسقط كل حصون الظالمين!

د. سوهير الطويل 

ليس كل تأخيرٍ إهمالًا، وليس كل صمتٍ عجزًا، وليس كل ظالمٍ أفلت من العقاب لأنه أفلت من أعين الناس. فهناك عدالةٌ لا تُشترى، وحسابٌ لا يسقط بالتقادم، وربٌّ لا تخفى عليه خافية، مهما طال الزمن وتبدّلت الوجوه وتزيّنت المظالم بألف حجة وحجة.

قد يظن بعض الناس أن بإمكانهم إيذاء الآخرين ثم مواصلة الحياة وكأن شيئًا لم يكن؛ أن يكسروا قلبًا، أو يهدموا نفسًا، أو يسرقوا حقًّا، أو يشوّهوا سمعة بريء، أو يستغلوا طيبة إنسان، ثم يناموا مطمئنين لأنهم نجحوا في الإفلات من حساب البشر!

لكنهم ينسون أن فوق الأرض سماءً، وفوق أحكام البشر حكمًا لا يخطئ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى شهودٍ كي يعلم، ولا إلى دليلٍ كي تنكشف له الحقيقة، ولا إلى شكوى كي يسمع أنين المظلوم.

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

تأمّلوا هذه الآية جيدًا؛ لم يقل سبحانه إن الظالم لن يفلت من أعين الناس، بل نفى أن يكون الله غافلًا عن عمله. قد يتأخر الحساب لحكمة، وقد يُمهَل الظالم حتى يظن أنه امتلك الدنيا وما فيها، لكن الإمهال ليس إهمالًا، وتأخير العقوبة ليس شهادة براءة.

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14].

يا لها من آية تهزّ القلب! المرصاد الذي لا تغيب عنه حركة، ولا تستتر وراءه نية، ولا تنجو منه حقيقة. قد تُخفي عن الناس وجهك الحقيقي، وقد تتقن روايتك حتى يصدقك الجميع، لكنك لن تستطيع أن تصنع رواية كاذبة أمام الله، ولن تنفعك بلاغة لسانك حين تُعرض الأعمال على من يعلم السر وأخفى.

حين يظن الظالم أن الأيام قد أنقذته

إن من أخطر ما يغترّ به الإنسان أن يرى المظلوم صامتًا، فيحسب صمته ضعفًا، وأن يرى صاحب الحق مبتعدًا، فيحسب ابتعاده هزيمة، وأن تمر الأيام دون عقاب ظاهر، فيظن أن الملف قد أُغلق!

وما علم أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].

وقال عز وجل في الحديث القدسي، فيما رواه النبي ﷺ عن ربه:

«يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا». رواه مسلم.

فإذا كان الله قد حرّم الظلم على نفسه، فكيف يظن ظالم أنه يستطيع أن يعبث بحقوق عباده ثم يخرج من الحساب لمجرد أنه قويٌّ في الدنيا، أو صاحب نفوذ، أو قادر على قلب الحقائق؟

إن قوة الإنسان لا تمنحه حصانة أمام الله، وماله لا يشتري له براءة، ومكانته لا ترفع عنه مسؤولية ما فعل. فالحقوق عند الله ليست أشياء تافهة تُمحى بكلمة اعتذارٍ باردة، ولا آلامًا تُمحى لمجرد أن صاحبها عجز عن الانتقام.

دمعة المظلوم ليست أمرًا هيّنًا

هناك قلوبٌ تتألم في صمت، وأرواحٌ تُستنزف من فرط القهر، وأناسٌ لا يملكون إلا أن يرفعوا أيديهم إلى السماء بعدما عجزوا عن استرداد حقوقهم من البشر.

وهنا يأتي التحذير النبوي الذي ينبغي أن يرتجف له كل من ظلم إنسانًا:

قال رسول الله ﷺ:

«اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». متفق عليه.

ليس معنى ذلك أن كل دعاء يتحقق بالطريقة التي يتصورها صاحبه أو في الوقت الذي يريده، وإنما معناه أن دعوة المظلوم ليست أمرًا يُستهان به، وأن الظلم ليس لعبة آمنة، وأن من يتعدّى على حقوق الناس يعرّض نفسه لخطر عظيم.

وقال النبي ﷺ:

«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». رواه مسلم.

ظلماتٌ تتراكم من حقٍّ أُكل، وكرامةٍ أُهينت، وشهادة زورٍ قيلت، وأمانةٍ خُونت، وقلبٍ كُسر عمدًا، وضعيفٍ استُغل عجزه، وإنسانٍ دُفع إلى الحزن بعدما ائتمن غيره على قلبه.

وليس كل ألمٍ يصيب الإنسان عقوبةً من الله؛ فالأنبياء أنفسهم ابتُلوا، والصالحون عرفوا الحزن والوجع. لكن المؤكد أن الله لا يضيع عنده حق، وأن الظلم لا يتحول إلى عدلٍ لمجرد أن صاحبه نجا من العقوبة الدنيوية.

يوم تُردّ الحقوق إلى أصحابها

تخيّل يومًا لا تنفع فيه المناصب، ولا تُجدي فيه العلاقات، ولا يستطيع فيه أحدٌ أن يشتري صمت الحقيقة!

يوم يقف فيه الإنسان أمام ربه، فيرى ما قدّم، ويُسأل عمّا فعل، وتُردّ المظالم إلى أهلها.

قال رسول الله ﷺ:

«مَن كانت له مظلمةٌ لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلّله منه اليوم، قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم». رواه البخاري.

ثم بيّن النبي ﷺ كيف تكون تسوية المظالم يوم القيامة؛ فيؤخذ من حسنات الظالم بقدر مظالمه، فإن فنيت حسناته، طُرح عليه من سيئات من ظلمهم، كما جاء في حديث المفلس الذي رواه مسلم.

هنا لا نتحدث عن انتقام البشر، بل عن عدلٍ لا يختلّ ميزانه. قد تعجز عن استرداد حقك في الدنيا، وقد لا تسمع اعتذارًا ممن آذاك، وقد يرحل شخصٌ دون أن يعترف بما ارتكبه، لكن حقوق العباد ليست أمرًا هيّنًا في ميزان الشرع، والتوبة من ظلم الناس تقتضي رد الحقوق أو التحلل منها، لا مجرد الندم في الخفاء.

فيا من تظن أنك أغلقت أبواب الشكوى، تذكّر أن باب التوبة مفتوح، وأن ردّ الحقوق ممكن ما دامت الفرصة قائمة. لا تنتظر يومًا تتمنى فيه العودة إلى الدنيا لتعتذر، أو لتردّ مالًا، أو لتصلح سمعةً أفسدتها، أو لتطلب الصفح من إنسانٍ جرحت قلبه.

حتى مثقال الذرة لن يضيع

قال الله سبحانه وتعالى:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

مثقال ذرة!

تأملوا دقة الحساب الإلهي. لا يعني ذلك أن كل هفوة لها عقوبة دنيوية محددة، أو أن كل مصيبة دليل على ذنب، وإنما يعني أن أعمال الإنسان ليست خارج علم الله، وأن الحساب عنده قائم على العدل التام، وأنه سبحانه لا يظلم أحدًا مثقال ذرة.

فلا تحتقر معروفًا صنعتَه، ولا تستهِن بأذى تعمّدتَه، ولا تظن أن كلمةً جارحةً خرجت منك قد انتهى أثرها لمجرد أنك نسيتها. قد تنسى أنت، لكن الله لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه أعلم بما في القلوب وبما اقترفته الأيدي.

لا تستعجل العقاب… فالله أعلم بموعده

من أعظم الأخطاء أن نربط عدل الله بضرورة أن نرى العقوبة بأعيننا، أو أن نظن أن كل ظالم لا بد أن يقع في مصيبةٍ ظاهرة في الدنيا حتى نطمئن إلى أن الحق قد انتصر.

فقد تكون العقوبة في الدنيا، وقد يُمهَل الإنسان، وقد يُؤخَّر الحساب إلى الآخرة، وقد يتوب الظالم توبةً صادقة ويردّ المظالم فيغفر الله له بفضله. نحن لا نملك أن نحكم على مصائر الناس، ولا أن نجزم بأن مرضًا أو خسارةً أو ضيقًا أصاب شخصًا هو عقوبةٌ على فعلٍ بعينه.

لكننا نملك يقينًا لا يتزعزع بأن الله عادل، وأنه لا يظلم أحدًا، وأن الظالم مسؤول عن ظلمه، وأن المظلوم ليس مطالبًا بأن يتحول إلى ظالمٍ مثله كي يسترد كرامته.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40].

فاطمئن؛ ليس لأنك تعرف كيف سيأتي العدل، ولا متى، ولا بأي صورة، بل لأنك تعرف مَن الذي يحكم بين عباده.

رسالتي الأخيرة لكل مظلوم ولكل ظالم

إلى كل مظلومٍ أنهكه الانتظار: لا تجعل وجعك يأكل ما تبقى من روحك، ولا تجعل رغبتك في رؤية العقاب تسرق منك عمرك. خذ بالأسباب لاسترداد حقك، واحفظ كرامتك، واطلب العون ممن يستطيع مساعدتك، وفوّض إلى الله ما عجزت عنه. العفو فضيلة حين تختاره عن قدرة، وليس واجبًا أن تُمكّن الظالم من تكرار أذاه.

وإلى كل من ظلم إنسانًا: لا تغترّ بطول المهلة، ولا تفرح بأن المظلوم لم يواجهك، ولا تفسّر صمته على أنه نسيان. بادر بالتوبة، وردّ الحقوق، واطلب المسامحة حيث يلزم، وأصلح ما أفسدت ما استطعت.

فالحياة ليست سباقًا بين من يؤذي أكثر ومن ينجو أطول، والكرامة ليست في أن نرى خصومنا يتألمون، بل في أن نخرج من الظلم دون أن نتلوث به.

وتذكّروا دائمًا: قد يتأخر ظهور الحق، لكن تأخّر ظهوره لا يجعله باطلًا، وقد يتأخر الحساب، لكن تأخّره لا يعني أن الله غافل.

إنه سبحانه يمهل بحكمة، ويحكم بعدل، ولا يحمل أحدًا وزر أحد، ولا يضيع عنده عمل عامل.

فلا تظلموا، فالدنيا لا تمنح أحدًا ضمانًا بالإفلات، والآخرة ليست ساحةً تُشترى فيها الأحكام.

اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أو نُظلم، ومن أن نأكل حقًّا أو نكسر قلبًا بغير حق، اللهم ردّ الحقوق إلى أهلها، واجبر قلوب المظلومين، واهدِ من ظلم إلى التوبة وردّ المظالم، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا ولا رغبةً في ظلم أحد، واكفنا شرّ من أراد بنا سوءًا بما شئت وكيف شئت، إنك على كل شيء قدير.

فالله يمهل، لكنه لا يظلم؛ والله يعلم، ولا تخفى عليه خافية؛ وإلى الله تُردّ الأمور، وهو خير الحاكمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot