بقلم ✍🏻 أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري.
مستشارة العلاقات الدبلوماسية لحقوق الإنسان
هل فكرت يومًا أن بعض تصرفاتك التي تراها طبيعية قد تكون مزعجة للآخرين؟ أو أن هناك أساليب في التعامل تعلمتها من أسرتك، ثم اكتشفت مع الوقت أنها تحتاج إلى تغيير؟ هنا تظهر أهمية التغذية العكسية، وهي ببساطة أن نعرف كيف تؤثر تصرفاتنا في الآخرين، ونتعلم من ردود أفعالهم وملاحظاتهم. فالإنسان لا يتوقف عن التعلم بمجرد أن يكبر، بل يظل يكتشف نفسه ويطور من طريقة تفكيره وتعامله مع الناس طوال حياته.
الأسرة ليست المكان الوحيد الذي نتعلم فيه التواصل
تبدأ أولى خبراتنا في التعامل مع الآخرين داخل الأسرة، فنكتسب منها طريقة الكلام والتعبير عن مشاعرنا وحل مشكلاتنا. لكن عندما نخرج إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل، ونتعامل مع أشخاص مختلفين في أفكارهم وطباعهم، نكتشف أن هناك طرقًا أخرى للتواصل لم نعتد عليها من قبل. قد نتعلم كيف نستمع دون مقاطعة، أو كيف نختلف مع شخص دون أن نخسره، أو كيف نعبر عن رأينا دون أن نجرح أحدًا. وهنا نفهم أن خبراتنا الأولى مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق، وأن بإمكاننا دائمًا تعلم أساليب أفضل.
ردود أفعال الآخرين قد تكشف لنا ما لا نراه في أنفسنا
أحيانًا نتصرف بطريقة معينة دون أن ندرك أثرها فيمن حولنا. فقد يعتقد شخص أنه صريح، بينما يرى الآخرون أنه قاسٍ في كلامه، وقد يظن أنه يدافع عن رأيه، بينما يشعر من أمامه بأنه لا يسمح لأحد بالتعبير عن رأيه. عندما يلفت أحد انتباهنا إلى هذه التصرفات، تكون أمامنا فرصة لمراجعة أنفسنا. لكن المهم أن نتعلم كيف نستفيد من الملاحظات دون أن نعتبر كل نقد هجومًا شخصيًا، وأن نفرق بين النصيحة الصادقة والكلام الذي هدفه التقليل منا.
التعلم من الآخرين لا يعني أن نفقد شخصيتنا
عندما نتعامل مع أشخاص جدد، قد نتعلم منهم مهارات لم نكن نعرفها، مثل الثقة بالنفس، والقدرة على الحوار، واحترام الاختلاف، ووضع حدود واضحة في العلاقات. وقد نكتشف أن قول «لا» عند الحاجة ليس قلة احترام، وأن الاعتذار لا يقلل من قيمتنا، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني أن العلاقة انتهت. لكن علينا أن نختار ما نتعلمه بوعي، فلا نقلد الآخرين في كل شيء لمجرد أن نكون مقبولين بينهم، ولا نتخلى عن مبادئنا لإرضاء الناس. التطور الحقيقي أن نتعلم ما يفيدنا دون أن نفقد هويتنا.
كيف تؤثر التغذية العكسية في ثقتنا بأنفسنا؟
عندما نتلقى ملاحظات تساعدنا على معرفة نقاط قوتنا والأمور التي تحتاج إلى تحسين، نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا وقدرتنا على التطور. فعندما يخبرك شخص أنك أصبحت أكثر هدوءًا في النقاش، أو أنك تحسنت في الاستماع للآخرين، فقد يشجعك ذلك على الاستمرار. وفي المقابل، فإن النقد المستمر والسخرية والمقارنة بالآخرين قد تجعل الإنسان يشك في نفسه ويخاف من التعبير عن رأيه. لذلك، ليس كل كلام نسمعه يجب أن نصدقه، وليس كل انتقاد يستحق أن يغير نظرتنا لأنفسنا. المهم أن نراجع الكلام بعقل، ونستفيد مما يساعدنا على التحسن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق