الأحد، 11 أكتوبر 2026

تفرق الإخوان في بلاد المهجر: عندما تُهدر الحقوق باسم القربى

بقلم محمود عبدالرحمن ايوب ( محمود الالفي ) مستشار علاقات دبلوماسية وحقوق الإنسان 
من واقع عملي المباشر وخبرتي الممتدة لأكثر من عشرين عاماً في مجال المساعدات والخدمات الضريبية في إيطاليا، رأيت كل شيء بعيني وشهدت على تفاصيل أليمة يعيشها أبناء جاليتنا. لم تكن هذه السنوات مجرد أرقام وملفات أتعامل معها، بل كانت قصصاً وحكايات لأناس أفنوا أعمارهم في الغربة، ليصطدموا في النهاية بالحقيقة المرة.
أقولها بكل صراحة وألم: أغلبية أرباب العمل (مع الأسف من بني جلدتنا) يمارسون استغلالاً وظلماً صارخاً بحق العمال المصريين.
في غربة الزمان والمكان، يرحل الإنسان محتضناً حلمه في بناء مستقبل أفضل لأسرتهم وأبنائهم. يظن المغترب أن قسوة الجغرافيا وبرودة الغربة هما أكبر التحديات، ليكتشف -للأسف الشديد- أن أقسى ضربة قد يتلقاها تأتي أحياناً من يد أخيه  أو "ابن بلده" الذي استأمنه واعتمد عليه في ديار الغربة.
تبدأ القصة حينما يقع المصري المغترب تحت وطأة استهانة بعض أرباب العمل أو العاملين معه من بني جلده. تحت شعارات مزيفة  مثل "إحنا إخوات" أو "خلي الخير بيننا"، يتم إقناع العامل بالعمل بعيداً عن الأطر القانونية، دون عقود رسمية، ودون تسجيل في منظومة الضرائب والدفع التأميني التي تقرها دولة الإقامة.
هذه الاستهانة ليست مجرد تساهل بسيط، بل هي تجريد ناعم للعامل من حقوقه كافة؛ فبدون تسديد الضرائب والاستقطاعات التأمينية الرسمية:
 يفقد العامل حمايته القانونية: فلا يستطيع المطالبة بأي حق قانوني إذا تعرض للاستغلال.
 يُحرم من ميزات الدولة: مثل الرعاية الصحية المتقدمة، التعويضات عند الإصابة، أو دعم البطالة وقت الأزمات.
 يصبح بلا صفة: يتعامل معه المجتمع والدولة كأنه غير موجود، فيتحول إلى إنسان محروم من أبسط الميزات التي يكفلها القانون لكل عامل يلتزم بواجباته.
يمر العمر سريعاً، وتنسحب السنوات من تحت أقدام المغترب في طاحونة العمل اليومي المضني. وبعد رحلة شاقة تمتد لـ 30 عاماً أو أكثر في ديار الغربة، يقرر هذا العامل الاستراحة وجني ثمار تعبه، ليتوجه إلى المؤسسات الحكومية طلباً لـ "معاش التقاعد" الذي يؤمن له كبره وكرامته.
وهنا تقع الفاجعة الكبرى!
يكتشف المغترب أنه طوال عقود لم يُسجل له يوم واحد في السجلات الرسمية للدولة، لأن سنوات عمله شهدت التهرب من تسديد الضرائب المفروضة، وبالتالي لا يستحق قرشاً واحداً من المعاش التقاعدي الذي حددته قوانين الدولة. يجد نفسه فجأة بعد كل هذا العمر والجهد، يخرج من سنوات الغربة خالي الوفاض، بلا تأمين صحي، وبلا معاش يستند عليه، ليتحول حلم المستقبل إلى كابوس وألم لا يداويه الزمن.
الحقوق لا تُبنى على العاطفة
إن الغربة لا ترحم من لا يحمي نفسه بالقانون. والعلاقات الإنسانية والوطنية لا تعني أبداً التفريط في الواجبات الرسمية أو الحقوق المستقبلية.
على كل مغترب أن يدرك أن تسديد الضرائب والتسجيل التأميني ليس عبئاً، بل هو درع حماية واستثمار في المستقبل. وأن الاستهانة بحق أخير أو السكوت عن التهرب القانوني باسم الأخوة والقرابة هو أقصر الطرق لضياع عمر كامل في الغربة دون مقابل.
الحقوق أمانة، والتزامك بقوانين بلد إقامتك هو السند الحقيقي لك حين يبيضّ الشعر وتتعب الأبدان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot