الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

غرف الشات الصوتي.. عالم بلا أبواب




بقلم/ امل صالح سليم


تحقيق ميداني: عندما يتحول الميكروفون إلى سلاح للتشهير والتهديد وصناعة الفتن

لم أكتف هذه المرة بأن أسمع عن عالم غرف الشات الصوتي من الخارج ولم أكتف بما يصلني من حكايات وشكاوى عن المشاجرات والتهديدات والتشهير.

دخلت بنفسي.

جلست بين المتحدثين واستمعت إلى النقاشات تابعت طريقة إدارة الغرف ورصدت كيف يبدأ الحديث عاديا ثم ينحرف تدريجيا إلى خلاف فالخلاف يتحول إلى اتهام والاتهام إلى تشهير وفي لحظات قد تتحول الغرفة بأكملها إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ما رأيته جعلني أطرح سؤالا صعبا

ماذا يحدث عندما يصبح لكل شخص ميكروفون ولا يكون هناك وازع يمنعه من إساءة استخدامه؟

هنا لا تسمع فقط.. هنا تصنع الحكايات

في بعض الغرف لا تكون المشكلة في اختلاف الآراء وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الاختلاف.

شخص يتحدث عن شخص غائب ثم يدخل آخر ليؤكد رواية لا نعرف مدى صحتها ثم يظهر ثالث بمعلومة جديدة وبعد دقائق يصبح الاتهام حقيقة في نظر الموجودين رغم أن أحدا لم يقدم دليلا.

وهكذا تصنع السمعة وتهدم السمعة داخل دقائق.

والأخطر أن الجمهور أحيانا لا يكتفي بالاستماع بل يتحول إلى طرف في المعركة.

التشهير أصبح محتوى

بعض الغرف وجدت في الخلافات مادة لجذب المتابعين.

كلما ارتفعت الأصوات زاد التفاعل.

كلما ظهرت فضيحة أو اتهام زاد عدد المستمعين.

كلما دخل شخص ليكشف سرا عن آخر أصبحت الغرفة أكثر ازدحاما.

وهنا تتحول المأساة إلى "محتوى" والخصوصية إلى "مادة للنقاش" وسمعة الإنسان إلى وسيلة لجذب المشاهدات.

وكأننا أمام إعلام بلا قواعد ومحكمة بلا قاض وعقوبة بلا تحقيق.

"عندما يصبح الميكروفون أداة ضغط"

من أخطر ما رصدته وجود لغة تهديد وابتزاز في بعض الخلافات.

"عندي كلام عنك."

"لو اتكلمت هكشف كل حاجة."

"أنا أعرف أوصل لك."

عبارات قد تبدو للبعض مجرد انفعال لكنها قد تتحول إلى ضغط نفسي حقيقي على الطرف الآخر.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن الخلاف لا يمنح أحدا الحق في تهديد إنسان، والخلاف على الرأي لا يبرر انتهاك الخصوصية وامتلاك تسجيل أو صورة أو محادثة لا يعني أن صاحبها أصبح فوق القانون أو الأخلاق.

والأخطر.. معركة مع القيم

داخل بعض الغرف وجدت أيضا نقاشات تتجاوز مجرد اختلاف الرأي إلى طرح أفكار وسلوكيات تتعارض بوضوح مع المرجعية الدينية والقيم الإسلامية للمجتمع.

أنا لا أتحدث هنا عن مجرد اختلاف فكري فالناس تختلف والحوار حق والنقاش الواعي ضرورة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول غرفة الحوار إلى مساحة لتطبيع كل شيء، والسخرية من الثوابت والترويج لأفكار مخالفة للدين باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش أو استغلال غياب الوعي لدى بعض المتابعين للتأثير عليهم.

الحرية لا تعني أن نهدم كل قيمة والحوار لا يعني أن نمنح الإساءة حصانة.

الفتنة تنتشر أسرع من الحقيقة

في عالم الشات قد تحتاج الحقيقة إلى ساعات حتى تظهر بينما تحتاج الشائعة إلى ثوان

اتهام واحد قد ينتشر.

تسجيل مقتطع قد يشعل معركة.

كلمة خارج سياقها قد تقلب مجموعة كاملة على شخص.

وبمجرد أن يبدأ الهجوم يصبح من الصعب السيطرة عليه.

وهنا تظهر مسؤولية كل شخص يحمل هاتفا ويدخل غرفة صوتية:

قبل أن تصدق.. اسأل.
قبل أن تنشر.. تحقق.
وقبل أن تشهر بإنسان.. تذكر أن وراء الاسم حياة وسمعة وأسرة.

من المسؤول؟

هل المسؤول هو التطبيق؟

أم صاحب الغرفة؟

أم المتحدث؟

أم المستمع الذي يصفق ويشارك ويعيد نشر الكلام؟

الحقيقة أن المسؤولية مشتركة.

فالمنصة تحتاج إلى قواعد واضحة وإدارة الغرف تحتاج إلى حزم والمستخدم يحتاج إلى وعي والجمهور يحتاج إلى ألا يتحول إلى وقود لأي معركة.

لقد دخلت هذه الغرف لأدرس ما يحدث وخرجت بقناعة أن القضية لم تعد مجرد "شات صوتي".

نحن أمام مجتمع رقمي كامل له تأثير حقيقي على الناس.

فيه صداقات وخلافات وعلاقات، وشائعات، وتأثير فكري، وأحيانا تشهير وتهديد وابتزاز وصناعة فتن.

ولهذا لا يجب أن نتعامل معه باعتباره لعبة أو تسلية بلا حساب.

فالذي يمسك الميكروفون اليوم قد يؤثر في مئات الأشخاص.

والذي يطلق اتهاما قد يهدم سمعة إنسان.

والذي يشارك في التشهير قد يصبح جزءا من المشكلة.

وفي النهاية الميكروفون لا يصنع إنسانا محترما أو مؤذيا... لكنه يكشف ما بداخله عندما يظن أنه بعيد عن الحساب.

وهنا يبقى السؤال:

هل غرف الشات الصوتي مساحة للحوار... أم أصبحت ساحة جديدة للبلطجة وصناعة الفتن؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot