الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الرؤية الشرعية زمان كانت للوجه واليوم للقدرة الجنسية


بقلم/امل صالح سليم

حين تحولت الرؤية من ملامح الوجه إلى اختبار القدرة الجنسية

كانت «الرؤية الشرعية» في مفهومها البسيط لحظة للتعارف المحترم ينظر فيها الرجل إلى المرأة وتنظر إليه ويتحدث الطرفان عن الطباع والأفكار وطريقة الحياة بحثا عن توافق يمكن أن يبنى عليه زواج.

لكن مع دخول مواقع التواصل الاجتماعي إلى تفاصيل العلاقات تغيرت قواعد اللعبة وأصبح التعارف يبدأ من شاشة هاتف وقد يمتد إلى محادثات خاصة ومكالمات صوتية ومرئية لتتحول بعض العلاقات تدريجيا من التعارف بهدف الزواج إلى مساحة لاختبار أشياء لا علاقة لها بالرؤية الشرعية من الأساس.

المفارقة أن بعض من يرفعون شعار «أنا داخل أتجوز» لم يعد يبحث فقط عن شكل شريك الحياة أو شخصيته أو أخلاقه وإنما أصبح يحاول معرفة تفاصيل جسدية وحميمية مبكرا وكأن الرؤية الشرعية تحولت من رؤية الوجه ومعرفة الشخصية إلى محاولة قياس القدرة الجنسية قبل أن تبدأ العلاقة أصلا

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: متى أصبح من حق شخص لم يصبح زوجا بعد أن يطالب بتفاصيل جسدية أو جنسية تخص الطرف الآخر؟

السوشيال ميديا أزالت كثيرا من الحواجز التي كانت تفرضها العلاقات التقليدية. رسالة تبدأ بـ«ممكن نتعرف؟» قد تتحول خلال أيام إلى أسئلة شخصية ثم تلميحات ثم طلبات تتجاوز حدود الاحترام وكل ذلك تحت غطاء «إحنا بنشوف بعض علشان الجواز».

والأخطر أن بعض الفتيات قد يجدن أنفسهن أمام ضغوط عاطفية من نوع: «لو إنتِ واثقة في نفسك مفيش مشكلة»، أو «إحنا هنتجوز، إيه المانع؟»، وكأن الوعد بالزواج يمنح صاحبه حقوق الزوج قبل عقد الزواج.

والحقيقة أن النية في الزواج لا تجعل الإنسان زوجا والتعارف لا يمنح أحدا حق اقتحام خصوصية الآخر.

الزواج ليس اختبارا جنسيا عن بعد وليس مشروعا يبدأ بكشف الجسد أو استعراض القدرات. فالاختيار السليم يحتاج إلى معرفة الشخصية وطريقة التفكير والمسؤولية والاحترام والقدرة على الحوار ونظرة كل طرف للأسرة والحياة والالتزام.

أما اختزال الإنسان في قدرته الجنسية فهو اختزال لعلاقة كاملة في جانب واحد وقد يكون مؤشرا خطيرا على طبيعة نظرة الطرف الآخر للزواج نفسه.

والأكثر خطورة أن بعض هذه المحادثات قد تتحول لاحقا إلى مادة للابتزاز خصوصا عندما يتم تبادل صور أو تسجيلات خاصة. وقتها لا تعود المشكلة مجرد «تعارف فاشل» وإنما قد تتحول إلى تهديد وانتهاك للخصوصية واستغلال للمشاعر.

لذلك ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف الرؤية الشرعية في عصر السوشيال ميديا.

الرؤية ليست أن تعرفي جسده قبل أن تعرفي عقله وليست أن يعرف تفاصيلك الخاصة قبل أن يثبت أنه يستحق ثقتك.

الرؤية الحقيقية أن ترى الإنسان الذي أمامك كما هو: أخلاقه، طباعه، احترامه، صدقه، غضبه، مسؤولياته، ونظرته إليكِ كإنسانة قبل أن تكوني زوجة.

فمن يبدأ علاقة الزواج بسؤال عن الجسد قبل أن يسأل عن العقل ومن يبحث عن القدرة الجنسية قبل أن يبحث عن القدرة على تحمل المسؤولية قد يكون كشف عن أول اختبار حقيقي في العلاقة قبل أن يبدأ الزواج.

وفي زمن أصبحت فيه الشاشة تختصر المسافات يجب ألا تختصر الكرامة والخصوصية أيضًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot