التسول في مصر.. جرس إنذار يستوجب تحركًا وطنيًا عاجلًا لحماية المجتمع وكرامة الإنسان
بقلم: المستشار كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان
لم تعد ظاهرة التسول في مصر مجرد حالات فردية متفرقة يشاهدها المواطن في بعض الشوارع أو أمام دور العبادة، بل أصبحت واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشارًا واتساعًا، حتى باتت تفرض نفسها على المشهد اليومي في المدن والمحافظات والمراكز والقرى والنجوع، فلم يعد شارع رئيسي أو ميدان أو محطة قطار أو موقف سيارات أو مستشفى أو مسجد أو كنيسة أو إشارة مرور يخلو من وجود متسولين يطلبون المال بطرق وأساليب مختلفة.
وأصبح المواطن المصري يواجه هذه الظاهرة في كل مكان يذهب إليه، الأمر الذي يدفع الجميع إلى التساؤل: إلى أين وصلت هذه الظاهرة؟ ولماذا تتزايد بهذا الشكل؟ وهل نحن أمام حالات فقر فردية فقط، أم أن هناك من يستغل حاجة الناس ويحول التسول إلى نشاط منظم يحقق أرباحًا على حساب المجتمع؟
إن هذه الظاهرة لم تعد قضية اجتماعية بسيطة، وإنما أصبحت قضية أمنية وإنسانية واقتصادية وحقوقية تستوجب وقفة حقيقية من جميع مؤسسات الدولة، لأن آثارها لا تقتصر على تشويه المظهر الحضاري، بل تمتد إلى تهديد أمن المجتمع واستقرار الأسرة واستغلال الأطفال والنساء وكبار السن.
مشاهد تثير القلق وتستوجب التحقيق
من أكثر المشاهد التي تتكرر يوميًا وجود نساء أو رجال يحملون أطفالًا رضعًا أو صغار السن، يظهرون في حالة نوم مستمر لساعات طويلة، سواء تحت أشعة الشمس أو في الحر الشديد أو البرد القارس، بينما يطلب من يحملهم المساعدة من المارة مستخدمًا قصصًا مؤثرة عن المرض أو الفقر أو الحاجة.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة لا يجوز تجاهلها:
من هؤلاء الأطفال؟
وهل هم أبناء من يحملونهم بالفعل؟
ولماذا يبقى بعض الأطفال في حالة نوم لساعات طويلة دون حركة؟
وهل يخضع هؤلاء الأطفال لرعاية صحية سليمة؟
وهل توجد حالات لاستغلال الأطفال في أعمال التسول؟
وهل جميع الروايات التي تُروى للمواطنين صحيحة، أم أن بعضها يُستخدم لاستدرار العطف؟
إن هذه الأسئلة لا تعني توجيه اتهام إلى أشخاص بعينهم، وإنما تستوجب قيام الجهات المختصة بإجراء التحريات والتحقيقات اللازمة للتحقق من الوقائع، واتخاذ الإجراءات القانونية إذا ثبت وجود أي مخالفة، مع ضمان حماية الأطفال وحقوقهم وفقًا للقانون.
بين المحتاج الحقيقي والاستغلال
لا شك أن مصر تضم آلاف الأسر البسيطة التي تعاني ظروفًا اقتصادية صعبة، وهناك مواطنون يستحقون كل صور الدعم والرعاية والمساندة، وهؤلاء يجب أن تصل إليهم يد الدولة والمجتمع بكل احترام وكرامة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود حالات تستغل عاطفة المواطنين، وقد تحولت إلى التسول باعتباره مصدر دخل دائم، وهو ما يضر بالمحتاج الحقيقي قبل غيره، ويجعل المواطن غير قادر على التمييز بين من يستحق المساعدة فعلًا ومن يتخذ التسول مهنة.
ومن هنا فإن مواجهة الظاهرة لا تعني محاربة الفقراء، وإنما تعني حماية الفقراء الحقيقيين من الاستغلال، وتوجيه الدعم إليهم عبر القنوات الرسمية التي تحفظ لهم كرامتهم.
الإسلام يحفظ الكرامة الإنسانية
لقد كرم الإسلام الإنسان، وجعل العمل الشريف عبادة، وحث على السعي والكسب الحلال، كما دعا إلى التكافل الاجتماعي وإغاثة المحتاجين، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وصونها.
وفي الوقت نفسه، نهى عن سؤال الناس من غير حاجة، لأن الأصل أن يعيش الإنسان عزيز النفس، يعمل ويجتهد ويكسب رزقه بالحلال، بينما يكون واجب المجتمع والدولة أن يوفرا للمحتاج الحقيقي وسائل الحياة الكريمة دون إذلال أو امتهان.
ولهذا فإن التصدي للتسول لا يتعارض مع الرحمة، بل يحققها عندما يصل الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
آثار التسول على المجتمع
إن استمرار انتشار التسول بهذه الصورة يترك آثارًا سلبية عديدة، من أبرزها:
تشويه الصورة الحضارية للشوارع والميادين.
استغلال الأطفال والنساء وكبار السن في بعض الحالات.
تعطيل حركة المرور عند الإشارات والطرق الرئيسية.
تعريض الأطفال للأمراض والمخاطر نتيجة بقائهم لساعات في الشوارع.
خلق بيئة قد تستغلها بعض العناصر الخارجة عن القانون إذا ثبت وجود شبكات منظمة.
التأثير النفسي على الأطفال الذين ينشأون في بيئة تعتمد على التسول بدلًا من التعليم والعمل.
فقدان ثقة المواطنين في التفرقة بين المحتاج الحقيقي ومن يمارس التسول بصورة احترافية.
الحلول لا تقتصر على المنع
إن القضاء على ظاهرة التسول لا يتحقق بمجرد الحملات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تقوم على عدة محاور، منها:
التوسع في برامج الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا.
توفير فرص عمل مناسبة للشباب القادرين على العمل.
تدريب وتأهيل الراغبين في العمل من خلال برامج مهنية.
تكثيف حملات التوعية بخطورة استغلال الأطفال.
متابعة الأطفال الموجودين في الشوارع وإعادة دمجهم في التعليم والرعاية.
تفعيل دور الجمعيات الأهلية في الوصول إلى الأسر المحتاجة.
تطبيق القانون بحزم على كل من يثبت استغلاله للأطفال أو تنظيمه لأعمال التسول.
نداء إلى مؤسسات الدولة
وانطلاقًا من المسؤولية الوطنية، فإننا نتوجه بكل احترام إلى:
فخامة السيد رئيس الجمهورية، بمواصلة دعم الجهود الوطنية الرامية إلى حماية الفئات الأولى بالرعاية، وتعزيز برامج التنمية الاجتماعية التي تحفظ كرامة المواطن.
دولة رئيس مجلس الوزراء، بوضع خطة وطنية شاملة تشترك فيها جميع الوزارات والجهات المعنية لمواجهة الظاهرة من جذورها.
وزارة التضامن الاجتماعي، للتوسع في برامج الدعم والوصول إلى الأسر الأكثر احتياجًا، وضمان عدم ترك أي محتاج حقيقي دون رعاية.
وزارة الداخلية، لمواصلة جهودها في مواجهة أي ممارسات مخالفة للقانون أو شبكات تستغل الأطفال أو تدير أعمال التسول إن ثبت وجودها.
وزارة الصحة والسكان، للكشف على الأطفال الذين يظهرون مع المتسولين والتأكد من حالتهم الصحية وسلامتهم.
المجلس القومي لحقوق الإنسان، لمتابعة أوضاع الفئات الهشة وضمان حماية حقوقها.
المجلس القومي للطفولة والأمومة، للتدخل الفوري في أي حالة يشتبه فيها باستغلال الأطفال أو تعريضهم للخطر.
السادة المحافظين ورؤساء المدن والأحياء، لتكثيف التنسيق مع الجهات التنفيذية داخل كل محافظة، ووضع حلول ميدانية تناسب طبيعة كل منطقة.
أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، للعمل على دعم التشريعات والرقابة بما يسهم في الحد من الظاهرة، وضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، للمشاركة في إعادة التأهيل، وتوفير فرص التدريب والعمل، ونشر ثقافة التكافل المنظم.
وسائل الإعلام، لتسليط الضوء على الظاهرة بمهنية، ونشر الوعي بطرق المساعدة الآمنة التي تصل إلى المحتاج الحقيقي.
رسالة إلى المواطنين
إن الرحمة بالمحتاج خلق كريم، لكن من الحكمة أيضًا أن نحرص على توجيه مساعداتنا عبر الجهات والمؤسسات الموثوقة عندما يكون ذلك ممكنًا، حتى تصل إلى مستحقيها الحقيقيين، ولا تُستغل في ممارسات قد تضر بالأطفال أو بالمجتمع.
كلمة أخيرة
إن مصر تستحق أن تكون شوارعها عنوانًا للنظام والرحمة والكرامة الإنسانية، وأن يجد المحتاج الحقيقي من يقف إلى جواره، وأن يحظى كل طفل بحقه في الحماية والتعليم والرعاية، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الاستغلال.
إن مواجهة ظاهرة التسول ليست مسؤولية وزارة أو جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة بين الدولة والمجتمع، تقوم على العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، وصون كرامة الإنسان، حتى تبقى مصر نموذجًا للدولة التي ترعى أبناءها وتحميهم، وتواجه المشكلات بالحكمة والإنسانية والحزم في آن واحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق