لم تعد المنافسة الصناعية بين الدول تعتمد على انخفاض تكلفة العمالة أو وفرة الأراضي فقط، بل أصبحت تقوم على سرعة الإنجاز، وجودة المنتج، والقدرة على الابتكار. فالمصنع الذي يعتمد على أساليب الأمس لن يستطيع المنافسة في أسواق الغد، مهما كانت إمكاناته.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تفرض على القطاع الصناعي تحديًا مزدوجًا؛ الأول هو التوسع في إنشاء مصانع جديدة، والثاني هو تطوير المصانع القائمة لتصبح أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة. فزيادة عدد المصانع هدف مهم، لكن الأهم هو رفع إنتاجيتها، وتحسين جودة منتجاتها، وزيادة قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وقد شهدت الفترة الأخيرة توجهًا واضحًا نحو إزالة العديد من العقبات التي واجهت المستثمرين، سواء من خلال تنويع آليات الحصول على الأراضي الصناعية، أو تبسيط الإجراءات، أو تعزيز التحول الرقمي في الخدمات الحكومية. وهي خطوات من شأنها أن تختصر الوقت وتخفض تكلفة بدء المشروعات، وهو ما ينعكس إيجابًا على مناخ الاستثمار.
إلا أن النجاح الحقيقي لن يتحقق إلا إذا تزامنت هذه الإصلاحات مع دعم الصناعات المغذية، وتوطين التكنولوجيا، وتوفير العمالة الماهرة، وتشجيع البحث والتطوير. فالصناعة الحديثة لا تقوم على المعدات فقط، بل على المعرفة، والابتكار، وسرعة الاستجابة لمتغيرات الأسواق.
كما أن تعزيز الصادرات الصناعية يجب أن يكون هدفًا موازيًا للتوسع في الإنتاج. فكل منتج مصري ينجح في المنافسة خارج الحدود يمثل قيمة مضافة للاقتصاد، ويعزز الثقة في الصناعة الوطنية، ويفتح أسواقًا جديدة أمام المستثمرين.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على بناء المزيد من المصانع فحسب، بل على بناء صناعة أكثر تنافسية وأكثر قدرة على النمو والاستدامة. فكل إصلاح يختصر الوقت، وكل قرار يدعم الإنتاج، وكل استثمار يضيف قيمة حقيقية، يمثل خطوة نحو اقتصاد يعتمد على الصناعة باعتبارها قاطرة للتنمية، لا مجرد قطاع من بين قطاعات الاقتصاد.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق