بقلم : المستشارة رغده رجب عبدالعال ابو الحسن
مستشارة اللجنة العليا لحقوق الإنسان والاتحاد الدبلوماسي لحقوق الإنسان ومحررة في جريدة الأنباء العربية الأفريقية الدولية لحقوق الإنسان.
لم يعد الحديث عن سلامة الغذاء قضية هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة تجارية، فالغذاء الذي يدخل منازل المواطنين يرتبط بصورة مباشرة بحق الإنسان في الحياة والصحة والأمان. وما حدث في الولايات المتحدة بشأن سحب نحو 19 مليون بيضة للاشتباه في تلوثها بالسالمونيلا يفتح من جديد ملف الرقابة على الغذاء، ويطرح سؤالًا لا يجب تجاهله: من يراقب ما يصل إلى موائد المواطنين قبل أن يتحول الخطر إلى إصابات؟
القضية تتعلق ببيض محدد أنتجته شركة Midwest Poultry Services في مزارع بولاية تكساس، وتم توزيعه خلال الفترة من 6 يونيو إلى 3 يوليو 2026، بينما شملت تواريخ البيع أو الأفضل استخدام بين 20 يوليو و17 أغسطس 2026. ووفق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، فإن المنتجات المشمولة بالاستدعاء تحمل أكوادًا محددة، أبرزها P-1950 أو 0840962، إلى جانب نطاق محدد من التواريخ التسلسلية للمنتج.
والأخطر أن السالمونيلا ليست مجرد تغيير في الطعم أو الرائحة يمكن للمستهلك اكتشافه بسهولة؛ فالبيض الملوث قد يبدو طبيعيًا تمامًا، بينما تستطيع البكتيريا التسبب في الإسهال والحمى وآلام البطن والقيء، وقد تصبح العدوى أكثر خطورة لدى الأطفال وكبار السن وبعض الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
وهنا يجب أن نتوقف أمام نقطة شديدة الأهمية: المستهلك ليس مختبرًا لفحص الطعام. فلا يمكن مطالبة المواطن بأن يكتشف التلوث بعينيه أو بأنفه، لأن سلامة الغذاء مسؤولية تبدأ من المنتج، وتمر بجهات الرقابة والتوزيع، وتنتهي عند وصول المنتج الآمن إلى يد المواطن.
وتكشف هذه الواقعة أيضًا أهمية سرعة الاستدعاء والإعلان الواضح. فحين يكون هناك احتمال حقيقي لتلوث منتج غذائي، فإن كل ساعة تأخير قد تعني وصول عبوات إضافية إلى موائد جديدة. ولذلك فإن أنظمة الإنذار المبكر، وتتبع المنتجات، وسرعة إخطار المتاجر والمستهلكين ليست إجراءات إدارية شكلية، وإنما أدوات أساسية لحماية الصحة العامة.
والرسالة الأخطر هنا أن شكل البيضة لا يمنحها شهادة أمان. فقد تبدو طبيعية تمامًا من الخارج، بينما يكون الخطر غير مرئي. ولهذا تؤكد الجهات المختصة ضرورة عدم تناول المنتجات الداخلة في الاستدعاء، وعدم بيعها أو تقديمها، والتعامل معها وفق تعليمات الاستدعاء الرسمية.
كما أن الأرقام المرتبطة بالواقعة تستحق التوقف؛ إذ تحدثت تقارير حديثة عن 98 إصابة و26 حالة دخول للمستشفى في 17 ولاية مرتبطة بتفشي السالمونيلا، وهو ما يوضح أن الأمر تجاوز مجرد تحذير احترازي إلى أزمة سلامة غذاء ذات آثار صحية فعلية.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن الحق في الغذاء الآمن لا ينفصل عن الحق في الصحة والحياة. ولذلك فإننا نطالب بتعزيز الرقابة على سلاسل إنتاج وتخزين ونقل الأغذية، ورفع مستوى الشفافية في الإعلان عن أي منتج مشكوك في سلامته، مع ضمان وصول التحذيرات إلى المواطنين بلغة واضحة وسريعة ومفهومة.
كما نؤكد أن مسؤولية المواطن لا تقل أهمية؛ فعليه مراجعة بيانات المنتجات وتواريخها وأكوادها عند صدور أي تحذير رسمي، وعدم شراء أو استخدام المنتجات التي يثبت دخولها ضمن قوائم الاستدعاء. وفي الوقت نفسه، يجب على المتاجر والموردين التعامل مع أي قرار سحب باعتباره إجراءً لحماية الأرواح، وليس مجرد خسارة تجارية.
وفي النهاية، فإن قصة الـ19 مليون بيضة يجب ألا تُقرأ باعتبارها خبرًا عابرًا من الخارج، بل درسًا عالميًا في أن سلامة الغذاء تبدأ بالرقابة وتنتهي بالوعي. وكل منتج غذائي يصل إلى المواطن يجب أن يكون محكومًا بمنظومة صارمة تجعل صحة الإنسان فوق الربح، وتضع سلامة الأسرة قبل أي اعتبار آخر. فحين يكون الخطر غير مرئي، تصبح الرقابة الواعية هي خط الدفاع الأول عن المجتمع.
ونحن إذ نثمّن جهود الجهات الرقابية في التعامل مع مثل هذه الوقائع، فإننا نؤكد أن حماية المواطن مسؤولية مشتركة، وأن الشفافية وسرعة الاستجابة والرقابة المستمرة هي الطريق الحقيقي لبناء منظومة غذاء أكثر أمانًا وثقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق