إليك مقالًا جديدًا بفكرة مختلفة:
في كل مجتمع، تُعد الثقة رأس مال لا يقل أهمية عن المال نفسه.
فقد يمتلك المستثمر الأموال، وقد تمتلك الدولة الموارد، وقد تمتلك المؤسسة الكفاءات، لكن إذا غابت الثقة، تراجعت حركة الاستثمار، وتباطأت عجلة الإنتاج، وأصبح الجميع أكثر ميلًا إلى الانتظار بدلًا من المبادرة.
ولهذا لا تُبنى الاقتصادات القوية على المشروعات وحدها، بل على منظومة يشعر فيها الجميع أن القواعد واضحة، وأن الحقوق محفوظة، وأن الجهد سيُكافأ، وأن القانون يُطبق بعدالة على الجميع.
المشكلة أن الثقة لا تُصنع بالتصريحات، بل بالممارسات اليومية.
فعندما تلتزم مؤسسة بوعودها، تزداد ثقة عملائها بها. وعندما تنجز جهة حكومية خدماتها بكفاءة وشفافية، يزداد احترام المواطنين لها. وعندما يفي الفرد بكلمته، يكتسب مكانة لا يمكن شراؤها بالمال.
ولهذا فإن الثقة تُبنى ببطء، لكنها قد تتعرض للاهتزاز بسبب تصرف واحد غير مسؤول.
كما أن استعادة الثقة أصعب كثيرًا من بنائها لأول مرة، لأنها تحتاج إلى وقت طويل وإثبات عملي بأن الأخطاء قد عولجت، وأن أسبابها لم تعد قائمة.
وينطبق ذلك على العلاقات الإنسانية كما ينطبق على الاقتصاد والإدارة.
فالشراكات الناجحة تقوم على الثقة، والعمل الجماعي يقوم على الثقة، وحتى الابتكار يحتاج إلى بيئة يثق فيها الإنسان بأنه يستطيع أن يجرب ويخطئ ويتعلم دون خوف.
ولهذا فإن الدول التي تنجح في ترسيخ ثقافة الثقة والشفافية لا تجذب الاستثمارات فحسب، بل تجذب أيضًا العقول والكفاءات، لأنها توفر بيئة يشعر فيها الجميع بأن المستقبل يمكن بناؤه بثبات.
قد تصنع الأموال مشروعات، وقد تبني التكنولوجيا مصانع، لكن الثقة هي التي تمنح كل ذلك القدرة على الاستمرار.
لأن أعظم الثروات ليست دائمًا ما يُحفظ في البنوك، بل ما يُحفظ في قلوب الناس من ثقة واحترام، فهي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات القوية والاقتصادات المستقرة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق