بقلم/ امل صالح سليم
ليس أصعب ما يواجه الإنسان أن تنتهي علاقة كان يظن أنها ستدوم العمر كله بل الأصعب أن يقف بعدها أمام قلبه متسائلا هل أجرؤ على المحاولة من جديد؟
فالانفصال لا يسرق شريك الحياة فقط بل ينتزع معه جزءا من الثقة ويترك داخل النفس ندوبا لا يراها أحد ومن عاش تجربة مؤلمة يعرف جيدا أن الجروح العاطفية لا تقاس بعدد الأيام بل بحجم الخذلان الذي تركته في الروح.
لذلك تصبح رحلة البحث عن شريك جديد واحدة من أكثر الرحلات قسوة ليست لأن الأشخاص الجيدين أصبحوا نادرين وإنما لأن القلب لم يعد كما كان أصبح أكثر خوفا وأكثر حذرا وأكثر ميلا للهروب كلما اقترب منه أحد. فكل كلمة جميلة تذكره بكلمات قيلت من قبل وكل وعد جديد يعيده إلى وعود انتهت بالخذلان
المفارقة المؤلمة أن الإنسان بعد الانفصال يعيش صراعا لا يفهمه كثيرون فهو لا يريد أن يبقى وحيدا لكنه يخشى أن يفتح قلبه مرة أخرى يحتاج إلى من يحتويه لكنه يخاف أن يمنح ثقته لمن قد يحطمها من جديد. يريد أن يشعر بالأمان لكنه أصبح يشك في كل شعور جميل وكأن الألم أقنعه أن السعادة مؤقتة
وكم هو موجع أن يقابل شخصا يشعر معه بالارتياح ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة ليس لأنه لا يريد الحب بل لأنه يخشى أن يعيش النهاية نفسها فالتجربة الأولى لا تنتهي بانتهاء العلاقة بل تستمر داخل الإنسان تؤثر في قراراته وفي طريقته في الحب وحتى في نظرته لنفسه
الأصعب من ذلك أن المجتمع كثيرا ما يطالب المنفصل بأن ينسى سريعا وكأن المشاعر تمحى بقرار لا أحد يرى الليالي التي يقضيها وهو يحاور نفسه ولا الحيرة التي يعيشها بين الرغبة في الاستقرار والخوف من الانكسار مرة أخرى
ورغم كل هذا يبقى في القلب جزء صغير يرفض الاستسلام جزء يؤمن أن الحياة لا تتوقف عند تجربة فاشلة وأن الأشخاص لا يشبهون بعضهم وأن هناك من يستطيع أن يداوي ما أفسدته الأيام لا بالكلام بل بالصدق والاحتواء والاحترام والأمان
فمن يبحث عن شريك بعد الانفصال لا يبحث عن وجه جديد بل يبحث عن وطن يشعر فيه بالأمان يبحث عن يد تمسك به عندما يتردد وعن قلب لا يجعله يندم لأنه وثق مرة أخرى. يبحث عن شخص يفهم أن وراء ابتسامته قصة طويلة من الألم وأن خلف صمته معارك لم يره فيها أحد.
وربما تكون الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن أصحاب القلوب المكسورة لا يحتاجون إلى حب أكبر بل إلى حب أصدق لا يحتاجون إلى وعود براقة بل إلى أفعال تعيد إليهم إيمانهم بأن العلاقات ليست كلها خذلانا وأن القدر قد يغلق بابا لكنه يترك بابا آخر ينتظر من يملك الشجاعة لطرقه
لذلك إذا قابلت يوما إنسانا خرج من تجربة انفصال فلا تحكم عليه من حذره ولا تفسر صمته على أنه برود ولا تعتبر خوفه ضعفا فقد يكون قد خسر الكثير لكنه ما زال يحاول أن يمنح الحياة فرصة أخرى... رغم أن قلبه لم ينس بعد كيف كان الألم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق