بقلم: د/ ريهام خير الدين
أخصائي علم نفس تربوي واستشاري أسري وتأهيل سلوكي
هل أصبحتِ أماً أم أنكِ تديرين مشروعاً ناشئاً يسمى طفلي؟ حين ننظر إلى بيوتنا اليوم نجد أنها تحولت إلى خلايا نحل من الأنشطة والمهام المجدولة التي لا تنتهي من دروس اللغات والجمباز والتغذية المحسوبة بدقة مخبرية وصولاً إلى سلوكيات الإتيكيت التي تحكم حركة الطفل وتجعل من البيت ساحة عرض للمثالية بدلاً من كونه مساحة للأمان والاحتواء الفطري نحن نعيش اليوم في قلب هوس التربية الذي جعل الأم تعيش في حالة توتر دائم ومقارنات مستمرة محاولةً تحويل أطفالها إلى نسخ مطابقة لمعايير المجتمع المثالية بينما تغفل جوهر العلاقة الإنسانية إننا نقع في فخ متناقضات خطيرة أولها متناقضة السيطرة حيث نحاول التحكم في كل تفصيلة في حياة الطفل ثم نشتكي لاحقاً من ضعف شخصيته وعدم قدرته على اتخاذ قراره الشخصي وثانيها متناقضة المثالية حيث نربي أطفالاً خارقين على الورق بينما يعانون من فراغ عاطفي عميق لأن الأم منشغلة بجدول الأنشطة عن جلسات الحوار الدافئ التي تبني الروح وثالثها متناقضة الوعي التي تجعلنا نقرأ مئات الكتب عن التربية ونحضر الدورات المتخصصة لكننا في المقابل فقدنا الحدس الأمومي الفطري وأصبحنا نتعامل مع الطفل كنموذج إحصائي يحتاج إلى تحسين الأداء لا كإنسان يحتاج إلى الفهم والتقبل إن المواجهة الحقيقية التي يجب أن تخوضها كل أم اليوم هي مع نفسها ومع القلق الذي يدفعها لتجميل الواقع خلف أقنعة النجاح الاجتماعي الزائف سيدتي إن طفلك لا يحتاج إلى أم تخطط له حياته بدقة المهندس هو يحتاج إلى أم تكون حاضرة معه بقلبها الصادق قبل عقلها المخطط فالهوس بالتربية ليس حرصاً بل هو انعكاس لقلقك أنتِ ورغبتك في التميز من خلال طفلك لذا حان الوقت للتصالح مع فكرة التربية الكافية والواقعية التي تسمح للأطفال بالنمو في ظلال الحب والحرية لا في ظل جداول البيانات والضغوط التي تكسر روح الطفولة وتصنع أفراداً يعانون من الاحتراق النفسي قبل أن يبلغوا سن الرشد تذكري دائماً أن دورك هو التربية لا التوجيه القسري وأن القيمة الحقيقية للطفل تكمن في طبيعته لا في إنجازاته المفتعلة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق