الأحد، 7 يونيو 2026

عندما تجف منابع الفطرة: قراءة في انهيار الوعي والأمومة القاسية

د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

​حين نتحدث عن "الأمومة"، فإننا لا نتحدث عن وظيفة بيولوجية أو دور اجتماعي مجرد، بل نتحدث عن "القداسة الإنسانية" في أسمى تجلياتها؛ صمام الأمان الذي أودعه الله في الأرض لتستقيم به الحياة. لكن، حين تطالعنا من حين لآخر سلوكيات تتجرد من هذه العاطفة، ونرى أطفالاً يدفعون ثمن صراعات الكبار، يقف المجتمع مذهولاً أمام سؤال مرير: أين ذهبت غريزة الحماية؟ وكيف تتحول الفطرة إلى قسوة مطلقة؟
​تحوير الفطرة وتصفية الحسابات
​إن أخطر ما يواجه الأسرة المعاصرة هو غياب "الجاهزية النفسية والأخلاقية" قبل الإقدام على خطوة الزواج والإنجاب. عندما تفتقر الشخصية إلى النضج، تتحول العلاقة الزوجية في لحظات الخلاف إلى ساحة معركة صفيرية، وللأسف، يتم اختطاف الأطفال الأبرياء وتحويلهم إلى "أوراق ضغط" أو أدوات للانتقام وتصفية الحسابات.
​هذا النمط من التفكير يمثل ذروة "الأنانية المفرطة"، حيث يعمى الغضب البصيرة، وتتحول عاطفة الأمومة والأبوة من رعاية وحماية إلى رغبة عارمة في إلحاق الأذى بالطرف الآخر، حتى لو كان الثمن هو هدم المعبد على من فيه، والتضحية بقطع من أرواحهم.
​غياب الوعي والخطوط الحمراء
​وصول القسوة الأسرية إلى حد تهديد حياة الصغار أو إنهاء براءتهم يعكس أزمة أعمق؛ أزمة ضمير قاحل لم تعد تردعه رادعة إنسانية. إن العقاب القانوني، على حتميته وضرورته، يأتي دائماً كخطوة تالية للجريمة، لكن التحصين الحقيقي يجب أن يكون مسبقاً.
​نحن بحاجة ماسة إلى ثورة في مفاهيم "الإرشاد الأسري والتأهيل النفسي". فالأمومة ليست مجرد لقب، بل هي مسؤولية أخلاقية وضبط انفعالي وقدرة على الفصل التام بين الخلافات الشخصية وبين أمان الأطفال. عندما تموت الضمائر وتجف منابع الرحمة في قلوب من يُفترض أنهم مصدر الأمان، نكون أمام تشوه فكري وسلوكي يستوجب وقفة حازمة من المجتمع بأكمله.
​إن حماية الطفولة ليست مسؤولية فردية، بل هي قضية أمن اجتماعي أخلاقي. وعلينا جميعاً أن نرفع الصوت عالياً: الأطفال خط أحمر، ولا تبرير يغفر لمن يخون أمانة الفطرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot