الثلاثاء، 30 يونيو 2026

الإرهاق النفسي الصامت... الوباء الذي لا تلتقطه الفحوصات

بقلم د.سوهير الطويل
 استشاري نفسي واسري وتربوي 

في عالم يُكافأ فيه الإنجاز، ويُقاس النجاح بكمية ما ننجزه في اليوم الواحد، أصبح كثير من الناس يعيشون تحت ضغط مستمر يجعلهم يؤدون أدوارهم بكفاءة ظاهرة، بينما يتآكل توازنهم النفسي في صمت. هذه الحالة، التي يمكن وصفها بـ"الإرهاق النفسي الصامت"، لا تُرى في صور الأشعة، ولا تكشفها تحاليل الدم، لكنها قد تكون من أكثر الأزمات تأثيرًا في الإنسان المعاصر.

الإرهاق النفسي الصامت ليس مرضًا مستقلًا، بل هو نتيجة تراكم طويل للضغوط، وغياب فترات التعافي، والاستمرار في العطاء رغم استنزاف الموارد النفسية والجسدية. لذلك قد يبدو صاحبه ناجحًا في عمله، ملتزمًا بمسؤولياته، وموجودًا اجتماعيًا، بينما يعيش داخليًا حالة من الإنهاك وفقدان المعنى.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة لأنها لا ترتبط دائمًا بالأحداث الكبرى، بل قد تنشأ من تراكم التفاصيل اليومية: ساعات العمل الطويلة، والمسؤوليات الأسرية، والضغوط الاقتصادية، والخوف من الفشل، والسعي الدائم لإرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الضغوط إلى حمل نفسي مزمن ينعكس على التفكير والمشاعر والجسد.

تشير دراسات علم النفس إلى أن التعرض المستمر للضغوط دون وجود آليات فعالة للتكيف قد يؤدي إلى انخفاض القدرة على التركيز، واضطرابات النوم، والإرهاق المستمر، وتراجع الدافعية، وقد يزيد من احتمالية الإصابة بالقلق أو الاكتئاب إذا استمرت الضغوط دون تدخل مناسب.

ومن المفارقات أن المجتمعات كثيرًا ما تمتدح الشخص الذي "يتحمل كل شيء"، بينما تتجاهل التكلفة النفسية لهذا التحمل. فالثقافة التي تربط طلب المساعدة بالضعف تدفع كثيرين إلى إخفاء معاناتهم، حتى عن أقرب الناس إليهم، خوفًا من الأحكام الاجتماعية أو من أن يُنظر إليهم على أنهم أقل كفاءة.

ولا تقتصر آثار الإرهاق النفسي على الفرد وحده، بل تمتد إلى الأسرة ومكان العمل والمجتمع. فالإنسان المنهك يصبح أقل قدرة على التواصل، وأضعف في اتخاذ القرار، وأكثر عرضة للأخطاء والانفعالات، وهو ما يؤثر في جودة العلاقات والإنتاجية والصحة العامة.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ فقط بتقديم خدمات العلاج النفسي، وإنما أيضًا بإعادة النظر في ثقافة العمل، وتعزيز التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ونشر الوعي بأن العناية بالصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة إنسانية واقتصادية واجتماعية.

لقد أصبح من الضروري أن نعيد تعريف القوة. فالقوي ليس من يستمر في العطاء حتى الانهيار، وإنما من يدرك حدود طاقته، ويطلب الدعم عند الحاجة، ويمنح نفسه حق الراحة قبل أن يفرضها عليه الجسد أو النفس.

إن الإرهاق النفسي الصامت يمثل أحد التحديات الكبرى في عصرنا. وقد لا تكون أعراضه صاخبة، لكنه يترك أثرًا عميقًا في حياة الأفراد والمجتمعات. لذلك فإن الاعتراف به، وفهم أسبابه، والعمل على الوقاية منه، لم يعد خيارًا، بل أصبح مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأفراد والمؤسسات وصناع السياسات على حد سواء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot