في لحظة ما، لا يُقاس الاقتصاد بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل السياسة من إدارة يومية للأزمات إلى رؤية طويلة المدى. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: من يقود الآخر… الاقتصاد أم السياسة؟
في دول كثيرة، يبدو المشهد كأنه دائرة مغلقة؛ قرارات سياسية تُتخذ تحت ضغط اقتصادي، ثم تعود النتائج الاقتصادية لتفرض قرارات سياسية أشد قسوة. لا أحد يقف خارج هذه الدائرة، ولا أحد ينجو من تبعاتها.
في إحدى المراحل، تتجه الدولة إلى حلول سريعة: دعم يُخفَّض، ضرائب تُعاد هيكلتها، واستثمارات تُعلن كأنها نقطة تحول. لكن خلف هذه الإجراءات، يبقى السؤال الصامت: هل المشكلة في نقص الموارد، أم في طريقة إدارة الموارد نفسها؟
الاقتصاد في جوهره ليس أزمة مال فقط، بل أزمة ثقة. ثقة المستثمر في استقرار القواعد، وثقة المواطن في عدالة التوزيع، وثقة السوق في أن القرارات لا تتغير كل صباح. وعندما تهتز هذه الثقة، يصبح أي رقم إيجابي مجرد قشرة خارجية لا تصمد طويلًا.
أما السياسة، فهي ليست مجرد سلطة، بل إدارة توازنات دقيقة بين ما يمكن فعله وما يجب فعله. وكلما ابتعدت السياسة عن فهم الاقتصاد الحقيقي، تحولت القرارات إلى ردود أفعال، لا إلى استراتيجيات.
وفي لحظة أكثر عمقًا، يظهر أن الأزمة ليست في الاقتصاد وحده ولا في السياسة وحدها، بل في المسافة بينهما. تلك المسافة التي إذا اتسعت، أصبح الإصلاح مستحيلًا، وإذا ضاقت بشكل واعٍ، تحولت الدولة إلى كيان قادر على إعادة إنتاج نفسه باستمرار.
هكذا تتضح الصورة: لا اقتصاد قوي بلا قرار سياسي رشيد، ولا سياسة مستقرة بلا قاعدة اقتصادية صلبة. وبين الاثنين، تُكتب حكاية الدول… إما صعودًا، أو بقاءً في دائرة لا تنتهي.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق