الخميس، 25 يونيو 2026

من صيام الشكر إلى مجالس الحداد: أسرار يوم عاشوراء بين اليهود، السنة، والشيعة

✍🏻أ.أمنيه حسن والي
تشرق شمس العاشر من محرم كل عام، لتروي للعالم قصة يومٍ واحدٍ اتسعت ساعاته لتسع أقصى التناقضات الوجدانية في التاريخ البشري. ففي حين ترتفع أكفٌّ إلى السماء في صمتٍ وصيام تعبيراً عن "الشكر والنجاة"، تُقرع في أرجاء أخرى طبول الحزن وتُذرف الدموع في مجالس "الحداد والعزاء".
كيف تحوّل يوم عاشوراء إلى مرآة تعكس ثلاثة عوالم روحية مختلفة تماماً؟ وما هي الأسرار التي تجعل من هذا اليوم محطة استثنائية بين اليهودية، ومذاهب المسلمين من أهل السنة والشيعة؟ دعونا نغوص في أعماق هذا اليوم العظيم قصه هذا اليوم تبدأ عندما شق الله للنبي موسى البحر لينجي بني إسرائيل بعصاه وتحديداً على ضفاف البحر الأحمر. الحسابات البشرية كانت تنذر بكارثة حتمية؛ فرعون وجيشه المدجج من الخلف، وأمواج البحر المتلاطمة من الأمام. وفي لحظة انعدمت فيها الأسباب، تجلى اليقين المطلق في قلب النبي موسى عليه السلام، فانشق البحر، وعبر بنو إسرائيل إلى بر الأمان، بينما ابتلعت الأمواج طغيان فرعون.
تخليداً لهذه المعجزة، اتخذ اليهود من هذا التوقيت (الذي يتقاطع مع يوم كيبور أو أعياد الخروج) يوماً للصيام والعبادة، شكراً للإله الذي تدخّل في اللحظة الحاسمة لتغيير مجرى التاريخ وإنقاذ المستضعفين.
ماذا يمثل يوم عاشوراء عند أهل السنة: صيام الشكر وفقه المخالفة
عندما هاجر النبي محمد ﷺ إلى المدينة المنورة ووجد اليهود يصومون هذا اليوم احتفاءً بنجاة موسى، أطلق عبارته الشهيرة التي أعادت رسم خريطة الانتماء الروحي: "نحن أحق وأولى بموسى منكم".
منذ تلك اللحظة، اتخذ عاشوراء في الوجدان السني طابعاً يفيض بالبشرى والامتنان. لم يعد مجرد ذكرى، بل أصبح محطة سنوية لغسيل الأرواح، حيث أخبر النبي ﷺ أن صيام هذا اليوم يُكفر ذنوب سنة كاملة مضت.
ولكن، لكي يحتفظ المسلمون بهويتهم المستقلة، أرسا النبي ﷺ مبدأ "مخالفة أهل الكتاب"، لتتفرع سُنة الصيام إلى مراتب حيوية:
 الكمال والتمام: صيام (التاسع والعاشر والحادي عشر)، لضمان المخالفة التامة وكسب أجر صيام ثلاثة أيام من الشهر.
 السُّنة الغالبة: صيام (التاسع والعاشر)، تطبيقاً لأمنية النبي ﷺ في آخر حياته حين قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع".
 الرسالة الروحية الخفية: في هذا اليوم، يتذكر المسلم السني أن الله الذي شق البحر لموسى، قادر بكلمة "كُن" أن يشق بحار همومه، وأمراضه، وديونه، ليجعل له من كل ضيق مخرجاً. هو يوم لـ "اليقين المطلق" بأن النجاة قادمة مهما تعقدت الأسباب 
ماذا يمثل عاشوراء عندالشيعة: دموع كربلاء وملاحم التضحية
على النقيض تماماً من مشاعر الفرح والنجاة، يرتدي العاشر من محرم ثوباً أسوداً حالكاً في الوجدان الشيعي. ففي عام 61 هـ (680 م)، شهدت صحراء كربلاء أبشع فاجعة في التاريخ الإسلامي؛ استشهاد الإمام الحسين بن علي (حفيد رسول الله) مع 72 من أهل بيته وأصحابه، بعد أن حوصروا ومُنع عنهم الماء.
بالنسبة للمسلمين الشيعة، عاشوراء ليس يوماً للشكر، بل هو أكبر يوم للحداد في التاريخ.
 مجالس العزاء (الحسينيات): تتحول الشوارع والمساجد إلى ساحات لرثاء "سيد الشهداء". تُرفع الرايات السوداء، وتُتلى القصائد والمراثي (اللطميات) التي تعتصر القلوب وتستحضر تفاصيل المعركة، العطش، ووداع الحسين لعائلته.
 مفهوم الصيام لديهم: يرى أغلب علماء الشيعة كراهة صيام عاشوراء كصيام فرح وشرع كامل، لأن قتلة الحسين (بني أمية) اعتبروه يوم بركة وسرور. وبدلاً من ذلك، يُمارسون "الإمساك المواساتي"؛ حيث يمتنعون عن الطعام والشراب حتى زوال الشمس (وقت مقتل الحسين)، لا بنية الصيام، بل تضامناً ومواساةً لعطش الحسين وأهل بيته.
 الرسالة الروحية: يمثل عاشوراء لديهم ثورة حية لا تموت ضد الظلم، ورمزاً للتضحية بالنفس والنفيس من أجل المبادئ وإحقاق الحق.
خاتمة: يومٌ واحد.وإنسانية تتجلى
سواء كنت تنظر إلى عاشوراء من نافذة النجاة والشكر التي انشق فيها البحر لتأمين خائف، أو من نافذة الحزن والحداد التي سالت فيها دماء طاهرة دفاعاً عن الحق؛ فإن هذا اليوم يبقى من أعظم الأيام التي تتجلى فيها المشاعر الإنسانية في أصدق صورها.
هو يوم يخبرنا، باختلاف مذاهبنا، أن الحياة صراع مستمر بين الحق والباطل، وأن التوجه إلى الله—سواء بصيام يطهر الروح أو بدمعة تغسل القلب—هو طوق النجاة الوحيد في أمواج هذا العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot