السبت، 20 يونيو 2026

في كل عصر، كانت هناك فجوة تفصل بين الدول المتقدمة والدول النامية، لكن طبيعة هذه الفجوة تغيرت مع الزمن.

في كل عصر، كانت هناك فجوة تفصل بين الدول المتقدمة والدول النامية، لكن طبيعة هذه الفجوة تغيرت مع الزمن.

في الماضي، كانت الفجوة في السلاح أو الموارد أو حجم الجيوش.
أما اليوم، فأصبحت الفجوة الحقيقية في القدرة على إنتاج المعرفة.

فالعالم لم يعد يُدار فقط بالمصانع والحقول والموانئ، بل بالمعامل ومراكز الأبحاث والجامعات وشركات التكنولوجيا.

الدول التي تنتج المعرفة تضع القواعد، وتحدد اتجاه الأسواق، وتبيع التكنولوجيا للآخرين.
أما الدول التي تستهلك المعرفة فقط، فتظل تابعة لما ينتجه غيرها مهما امتلكت من إمكانيات.

المشكلة أن بناء قاعدة علمية قوية ليس مشروعًا يمكن إنجازه خلال عام أو اثنين.
إنه استثمار طويل يحتاج إلى رؤية وصبر واستمرارية.

فالباحث الذي يحقق اكتشافًا مهمًا اليوم هو نتاج سنوات من التعليم والتدريب والدعم.
والشركة التي تطور تقنية جديدة غالبًا ما تستفيد من عقود من البحث العلمي المتراكم.

ولهذا فإن الإنفاق على البحث العلمي لا يجب النظر إليه باعتباره تكلفة، بل باعتباره استثمارًا في المستقبل.

فالاقتصادات الحديثة لا تنمو فقط بزيادة الإنتاج، بل بزيادة القيمة المضافة.
وكلما امتلكت دولة معرفة أكبر، استطاعت أن تنتج منتجات أكثر تطورًا وربحية.

كما أن المعرفة تمنح الدول استقلالية أكبر.

فالدولة التي تستطيع تطوير دوائها أو تقنيتها أو صناعتها بنفسها تكون أقل عرضة للتقلبات والأزمات الخارجية من دولة تعتمد بالكامل على ما ينتجه الآخرون.

لكن الأهم من ذلك كله أن المعرفة تخلق دائرة إيجابية لا تنتهي.

فالعلم يولد ابتكارًا،
والابتكار يولد صناعة،
والصناعة تولد ثروة،
والثروة تسمح بمزيد من الاستثمار في العلم.

وهكذا تبدأ رحلة التقدم الحقيقي.

قد تمتلك دولة موارد طبيعية هائلة أو موقعًا جغرافيًا متميزًا، لكن هذه المزايا وحدها لا تكفي لضمان المستقبل.

ففي القرن الحادي والعشرين، أصبحت المعرفة هي الثروة التي لا تنضب، والسلاح الذي لا يصدأ، والاستثمار الذي تتضاعف قيمته كلما استُخدم أكثر.

ولهذا فإن الأمم التي تراهن على العقول اليوم، هي الأمم التي ستقود العالم غدًا.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot