الخميس، 25 يونيو 2026

القلوب الحائرة

الفصل الرابع
القلوب الحائرة
في بيت الشيخ "عبد الجليل" كان الصباح ثقيلاً كغيمة سوداء لا تسمح للنور بالعبور. 
والهواء ساكن، ولكن القلق يملأ الأركان.
 "فاطمة" المرأة الخمسينية جلست على حافة المصطبة في فناء الدار، ترتدي جلبابًا صعيديًا أسود مطرزًا بخيوط فضية باهتة مِن كثرة الغسل، وعلى رأسها طرحة سوداء غطت شعرها تمامًا، إلا أن عينيها المرهقتين فضحتا سهر الليل وبكاء القلق على ابنها "ابراهيم".

قالت "فاطمة" وهي تنهض فجأة وكأن شيئًا بداخلها دفعها للحركة مِن حديث "بدور" لهم :

– يا شيخ "عبد الجليل" أنا لم أستطيع الانتظار ابني لم يعد إلى الآن ... سأخرج للبحث  عن إبراهيم بنفسي.

 أصحابه قتلوا، وأين هو ابني الآن....؟

رفع الشيخ "عبد الجليل" رأسه،  وهو يستند بعصا وعلى رأسه طاقية صوف بيضاء، ووجهه المجعد يحكي عن سنين تعب وكفاح.

 قال بصوت هادئ لكن فيه حزم:
– لا يا "فاطمة" أنتي انتظري داخل البيت... أنا الذي أخرج للبحث عن ابراهيم .
 احضري لي "بلال أبو إسماعيل" على الفور  حتى يصطحبني البحث عن ابننا.

"بلال" كان ابن أخت "فاطمة" صبي في الثانية عشرة من عمره، أسمر الوجه، نحيف البنية، عيناه لامعتان ببراءة الطفولة، يسكن في البيت المجاور.

تدخلت بدور،  جارتهم اليتيمة، وهي قلقة وتخفي هذا بداخلها:

– أنا مٓن أحضر لك "بلال" حالًا يا شيخ.
ثم أسرعت خارج البيت لتحضر "بلال" .

في هذه اللحظة خرجت "ياسمين" من غرفتها.

و كانت فتاة في السابعة عشرة، لكن وجهها بدا شاحبًا كمن لم يرَ النوم أيامًا، وعيناها حمراوان، وجسدها يرتجف وكأن بردًا داخليًا ينهشها. 

 تقدمت بخطوات بطيئة نحو أمها "فاطمة"، وصوتها يخرج متهدجًا:
– ما الذي يحدث يا أمي....؟

... أنا رأيتُ إبراهيم في منامي كان مربط بسلاسل بين أيدي ثلاثة رجالة غُرباء...!!!
 و كان حول رقبته طوق مِن نار... وعينيه بتلمعان وبها دموع....!!!

شهقت الأم، فأقتربت منها وهي تمسك بكتف "ياسمين":

– "استغفري ربك يا ياسمين" ادعي له أن يعود بالسلامة على خير القرية مقلوبة رأساً على عقب وأصحابه قتلوا.

لكن "ياسمين" وهي تتثاءب وتذرف دموعًا باردة تمتمت بكلمات غامضة لأمها "فاطمة":

– لا تبحثِ عنه... إبراهيم بيبعد أكتر وأكتر... ولن يعود منه غير ريحته.

ارتجف قلب الأم "فاطمة" وصرخت بنبرة خوف وزعر شديد:
– لا تتحدثي بهذا الكلام  يا ابنتي....! 
سيعود....
 إن شاء الله سيعود.

لكن فجأة ارتسمت على وجه "ياسمين" إبتسامة غريبة لم تكن تشبهها، وضحكت ضحكة باردة بصوت بدا وكأنه من عالم آخر.

– قلت لكِ... لن يعود منه إلا ريحته...!!!
 ألا تفهمين...؟

تدخل الشيخ "عبد الجليل" بصوت جاد وحازم:
– استعيذي بالله يا ابنتي، واجلسي... ربنا يحفظك ويهديكِ.

في تلك اللحظة دخلت "بدور" وهي تمسك بيد الصبي "بلال" وقال الصبي وهو يلتقط أنفاسه قليلًا:
– أنا حضرت يا شيخ....
أين تريد أن تذهب.....؟

– "أريد أن تأتي معي البحث عن إبراهيم في القرية... وأدعو الله أن يجعلها خير".

التفت الشيخ "عبد الجليل" إلى "بدور" وقال لها:
– انتظري هنا مع خالتك "فاطمة" وابنتي "ياسمين" إلى أن أعود واعتني بهم.

ثم خرج الشيخ "عبد الجليل" متكئًا على الصبي "بلال" يسير بخطوات ثابتة نحو قلب القرية باحثاً عن ابنه "إبراهيم" 

كانت القرية في ذلك الصباح مشحونة بالهمس والجدل بين أهل القرية للفاجعة التي حدثت بسبب حادثة القتل لأثنين مِن أبناء القرية وغموض اختفاء "إبراهيم " حيث أن تداول الكلام بينهم بأن "إبراهيم" هو مِن قتل أصحابه وهرب .

 كان يسير الشيخ بين شوارع القرية وحواريها يسأل عن ابنه، ثم انحنى إلى "بلال" وقال له اتجه  بي إلى محل البقالة حتى اسأله عن "إبراهيم" لأنه دائما يشتري مِن عنده ما يحتاجه.

  وصل الشيخ "عبد الجليل" إلى دكان "مؤمن" بقال أربعيني، ممتلئ الجسد، يقف خلف طاولة خشبية عليها ميزان قديم وأكياس سكر وشاي. 

"قال الشيخ بصوت متلهف:
السلام عليكم... يا "مؤمن"
فرد مؤمن وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته يا شيخ عبد الجليل".
فسأله الشيخ عبد الجليل هل رأيتُ إبراهيم.....؟
هل مر عليك بالآمس...؟

"ابتسم مؤمن ابتسامة حائرة:
– نعم يا شيخ، جاءني إبراهيم بالأمس وقت العشاء أشترى علبة سجائر... وكان مبسوط".

سأله الشيخ هل  كان بمفرده يا "مؤمن.....؟
رد مؤمن لا يا شيخ كان معه عدوي أبو البكري وشرقاوي أبو ربيع.

شحب وجه الشيخ، وتوترت يده التي تمسك بعصاه. 
أكمل "مؤمن" للشيخ "عبد الجليل" وهو يخفض صوته:

"في الصباح الباكر اليوم عثر على "عدوي" و "شرقاوي" قتلى على الترعة القبلية و مِن وقتها القرية مقلوبة رأساً على عقب وجاءت الشرطة والاسعاف حملتهم ، وأخذت مٓن بلغ مِن الشهود وجاري التحقيق في الآمر ،وحالياً الشرطة منتشرة في كل مكان بالقرية للتحري والوصول الجاني.

–فأكمل مؤمن للشيخ أهل القرية يهمسون بأن ابنك إبراهيم هو مِن قتل أصحابه وهرب.

ارتجف الشيخ وقال ببطء:
– ابني يقتل أصحابه....؟
 لماذا يا "مؤمن....؟
 إنه  بيحبهم ومخلص لهم وهم أقرب أصحابه.

– رد "مؤمن" يقولون أنهم اختلفوا على صفقة آثار... ودخل بينهم الطمع.

– رد الشيخ لا أصدق هذا الكلام...ولدي إبراهيم لم يفعل هذا أبدًا.
ولدي ليس قاتل....!!!


ترك الشيخ الدكان وواصل السير، وبلال يمسك بذراعه ويواسيه.

وعند مفترق طريق ظهرت فتاة عشرينية تُدعى "نجاة" ذات وجه مستدير وبشرة قمحية ترتدي جلبابًا كحلي اللون وطرحة مزخرفة. 

أقتربت مِن الشيخ "عبد الجليل" وألقت عليه السلام:

– كيف أخبارك يا شيخ "عبد الجليل...؟
– الحمد لله يا "نجاة"أخباري كما ترين أمامك.

– لما تتحدث هكذا يا شيخ....؟

–خرجت للبحث عن إبراهيم، لكنه لم يعد مِن ليلة آمس، وسمعت كلام ازداد قلقي أكثر.

رفعت "نجاة" حاجبيها بدهشة:
– إبراهيم لم يعد....؟ 
أنا رأيته بعد العشاء ليلة آمس، كان واقفاً عند الترعة القبلية مع "بدوي أبو رفاعي" و"حسان أبو شندي" ومعهم "عدوي" و "حمدان أبو مرعي" وكان معهم أيضاً شرقاوي. 

كانوا يضحكون بصوت عالٍ، ويسيرون في اتجاه الناحية القبلية من القرية.

– هل أنتي متأكدة من هذه الأسماء هم مٓن كانوا مع ابراهيم بعد العشاء....؟

–" نعم يا شيخ "عبد الجليل" بدوي وحسان وحمدان كانوا معه، وهذه فرصة لتسألهم عن ابنك ابراهيم ليطمئن قلبك. القرية بأجمعها تتحدث بأن هناك لغزاً كبيراً ".

 بعد سماع كلمات "نجاة" شد الشيخ عبد الجليل على عصاه، وعيناه المعميتان تتوجه نحو صوتها، وكأنه يرى في قلبه صورة لابنه وسط هؤلاء الشباب، وأدرك أن طريقه القادم سيكون نحوهم.                                   بقلم عاشقة الوطن سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot