في كل مجتمع، هناك فرق بين من يفكر في يومه، ومن يفكر في مستقبله.
الأول ينشغل بما يحتاجه الآن، وما يواجهه من تحديات يومية، وما يمكن أن يحققه خلال أسابيع أو أشهر.
أما الثاني، فينظر إلى ما ستكون عليه حياته أو مؤسسته أو دولته بعد عشر سنوات أو عشرين عامًا.
المشكلة أن التفكير قصير المدى يمنح نتائج أسرع، ولذلك يكون أكثر جاذبية.
فالإنفاق أسهل من الادخار،
والاستهلاك أسهل من الاستثمار،
والحلول المؤقتة أسهل من معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلات.
لكن ما يبدو أسهل اليوم قد يكون أكثر تكلفة غدًا.
ولهذا فإن الدول الناجحة لا تبني سياساتها على احتياجات الحاضر فقط، بل على متطلبات المستقبل أيضًا.
فعندما تستثمر دولة في التعليم، فإنها لا تحصد النتائج فورًا، بل بعد سنوات طويلة.
وعندما تطور البنية التحتية أو تدعم البحث العلمي، فإن العائد الحقيقي يظهر للأجيال القادمة أكثر مما يظهر للحاضر.
والأمر نفسه ينطبق على الأفراد.
فالإنسان الذي يطور مهاراته باستمرار، أو يدخر جزءًا من دخله، أو يهتم بصحته، قد لا يشعر بفارق كبير اليوم.
لكن بعد سنوات، تصبح نتائج هذه القرارات واضحة بشكل لا يمكن تجاهله.
وفي المقابل، فإن تجاهل المستقبل لا يسبب أزمة فورية دائمًا.
ولهذا يقع كثيرون في هذا الخطأ.
فالنتائج السلبية للتأجيل والإهمال تتراكم ببطء، حتى تصل إلى نقطة يصبح علاجها أكثر صعوبة وأكثر تكلفة.
ولهذا فإن أحد أهم الفروق بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة لا يكون في حجم الموارد فقط، بل في قدرتها على التضحية بجزء من الراحة الحالية من أجل مكاسب أكبر في المستقبل.
فالحضارات لا تُبنى على ما يريده الناس اليوم فقط،
بل على ما يحتاجونه غدًا.
لا يُقاس النجاح الحقيقي بقدرتنا على إدارة الحاضر فحسب،
بل بقدرتنا على صناعة مستقبل أفضل قبل أن يصبح الوصول إليه متأخرًا.
لأن أعظم الاستثمارات ليست تلك التي تحقق أرباحًا سريعة،
بل تلك التي تصنع قيمة تستمر لأجيال قادمة.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق