الأربعاء، 13 مايو 2026

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، بدأت الصين خلال السنوات الأخيرة فرض قيود صارمة على المحتوى الذي يقدمه غير المتخصصين على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في مجالات حساسة مثل الطب، والقانون، والتعليم، والاستثمار.
الفكرة الأساسية التي تبنتها السلطات الصينية كانت بسيطة وواضحة:
ليس من الطبيعي أن يقدم أي شخص نفسه كخبير في أمور قد تؤثر على صحة الناس أو أموالهم أو قراراتهم المصيرية دون امتلاك مؤهل حقيقي أو اعتماد مهني. 

ففي عالم أصبحت فيه “المعلومة” تنتشر أسرع من التحقق منها، تحولت منصات التواصل عند كثيرين إلى بديل عن الطبيب، والمهندس، والمحلل المالي، والمحامي.
وأصبح البعض يكتسب ثقة ضخمة فقط بسبب عدد المتابعين، لا بسبب العلم أو الخبرة.

المشكلة أن هذا النوع من المحتوى لا تكون خسائره بسيطة.
نصيحة طبية خاطئة قد تؤذي مريضًا،
وتوصية مالية عشوائية قد تدمر مدخرات أشخاص،
ومعلومات قانونية غير دقيقة قد تضع الناس في مشكلات حقيقية.

ولهذا شددت الصين على ضرورة أن يحمل من يقدم محتوى متخصصًا شهادات أو تراخيص موثقة، مع فرض غرامات وحذف حسابات للمخالفين في بعض الحالات. 

ورغم أن البعض رأى في القرار تقييدًا لحرية التعبير، فإن آخرين اعتبروه محاولة لضبط حالة الفوضى الرقمية التي تحولت فيها الشهرة أحيانًا إلى بديل عن الكفاءة.

الحقيقة أن الأزمة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فائض المعلومات غير الموثوقة.
فالإنسان اليوم يتعرض يوميًا لعشرات النصائح والتحليلات والآراء، كثير منها يصدر من أشخاص لا يملكون أي تأهيل حقيقي، لكنهم يجيدون الظهور والإقناع.

وهنا تظهر المشكلة الأخطر:
الجمهور نفسه أصبح أحيانًا يثق في “المؤثر” أكثر من المتخصص، لأن المحتوى السريع والبسيط أسهل في الاستهلاك من الرأي العلمي المعقد.

لكن المجتمعات لا تُبنى بالترندات،
ولا تُدار بالصوت الأعلى أو بعدد المشاهدات.

ولهذا، فإن التجربة الصينية تطرح سؤالًا مهمًا على العالم كله:
هل أصبحت حرية النشر بحاجة إلى قدر أكبر من المسؤولية؟
وهل يمكن ترك مجالات حساسة تمس صحة الناس وأموالهم لكل من يملك كاميرا وهاتفًا فقط؟
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot