د.سوهير الطويل
استشاري نفسي وأسري وتربوي
هل نحن أمام مجتمع يُعاقب الزواج… ثم يندهش من انهيار الأسرة؟
في كل يوم، يزداد السؤال إلحاحًا:
هل ما يحدث الآن هو إصلاح للأسرة المصرية… أم تفكيك بطيء لها؟
هل نحن نحمي المرأة والطفل فعلًا… أم نحول الزواج إلى مشروع مُخيف يدفع الشباب للهروب منه؟
وهل يمكن لمجتمع يُصعّب الحلال، ويُرهب الشباب من الزواج، ويُسهّل الانفصال، أن يحتفظ بأسرة مستقرة؟
الأسرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل هي الوحدة الأساسية لبناء المجتمع، وإذا اهتزت الأسرة… اهتز الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي للمجتمع كله.
لكن ما يحدث اليوم في الواقع المصري يثير القلق الحقيقي.
فنحن أمام حالة متزايدة من الخوف من الزواج، والعزوف عنه، والتردد في تكوين أسرة، خاصة بين الشباب.
الأرقام نفسها بدأت تدق ناقوس الخطر.
فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض عدد عقود الزواج في مصر خلال عام 2024 إلى نحو 936 ألف عقد، بعد أن كان أكثر من 961 ألف عقد في 2023، بنسبة انخفاض بلغت 2.5٪، بينما ارتفعت حالات الطلاق إلى نحو 274 ألف حالة بنسبة زيادة 3.1٪.
هذه ليست مجرد أرقام جامدة…
بل مؤشرات اجتماعية خطيرة تعكس تغيرًا عميقًا في نظرة الناس للزواج والأسرة.
الشاب المصري اليوم لم يعد يخاف فقط من تكاليف الزواج الباهظة، بل أصبح يخاف مما بعد الزواج.
يخاف من الدخول في منظومة قانونية يشعر كثيرون أنها شديدة التعقيد، وأنها قد تتحول في لحظة خلاف إلى معركة طويلة نفسيًا وماديًا واجتماعيًا.
وحين يشعر الرجل أن الزواج قد يهدد استقراره المادي والنفسي، فإن أول رد فعل طبيعي هو: التأجيل… ثم التراجع… ثم الهروب الكامل من الفكرة.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
لأن المجتمع الذي يُخيف الرجال من الزواج، لا يحمي النساء كما يظن البعض، بل يفتح أبوابًا أخطر بكثير:
ارتفاع العنوسة وتأخر سن الزواج.
زيادة العلاقات غير المستقرة.
انخفاض معدلات الإنجاب.
تفكك الروابط الأسرية.
نمو جيل فاقد للأمان العاطفي.
انتشار الوحدة والاكتئاب والاضطرابات النفسية.
والأخطر من ذلك أن بعض الشباب بدأ بالفعل يفكر في بدائل أخرى: إما عدم الزواج أصلًا، أو الزواج من أجنبيات هربًا من التعقيدات الاجتماعية والقانونية والاقتصادية التي يراها داخل مجتمعه.
وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الزواج من الخارج أسهل نفسيًا وقانونيًا من الزواج من بنت بلده… فهذه ليست أزمة فردية، بل أزمة مجتمع كامل.
الأسرة لا تُبنى بالخوف.
ولا تستقر بالقوانين وحدها.
ولا تُحمى بتحويل العلاقة الزوجية إلى ساحة تهديد متبادل.
القوانين العادلة هي التي تُحقق التوازن، لا الانحياز.
تحمي المرأة من الظلم… وتحمي الرجل من التعسف… وتحمي الطفل من الضياع… وتحمي الأسرة من الانهيار.
أما حين تتحول بعض القوانين أو الممارسات المجتمعية إلى رسائل غير مباشرة تقول للشاب: “فكّر ألف مرة قبل أن تتزوج”…
فلا يجب أن نتفاجأ بعد سنوات إذا وجدنا مجتمعًا يعاني من العزلة، والعنوسة، وتراجع معدلات الزواج، وارتفاع نسب التفكك.
الأسرة المصرية لم تكن يومًا مجرد عقد قانوني، بل كانت حالة من التراحم والتكافل والاحتواء.
لكن حين يصبح الزواج مشروع خوف…
ويصبح الطلاق أسهل من الإصلاح…
ويصبح الطرفان داخل العلاقة في حالة دفاع دائم…
فإننا لا نبني أسرًا، بل نبني مجتمعات هشة من الداخل.
إن إنقاذ الأسرة المصرية لا يحتاج إلى حرب بين الرجل والمرأة، بل يحتاج إلى عقلاء يفهمون أن استقرار المجتمع يبدأ من بيت مستقر، وأن أي قانون لا يراعي التوازن النفسي والاجتماعي والاقتصادي بين الطرفين قد يتحول — مهما كانت نواياه — إلى معول هدم للأسرة.
ويبقى السؤال الذي يجب أن نفكر فيه بصدق:
إذا استمر تخويف الشباب من الزواج، وتعقيد تكوين الأسرة، فكيف سيكون شكل المجتمع المصري بعد عشرين عامًا؟
وهل سنكتشف وقتها أننا كنا نهدم الأسرة بأيدينا… بينما نظن أننا نحميها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق