الأربعاء، 13 مايو 2026

أصبح من الطبيعي اليوم أن ترى طفلًا يحمل هاتفًا أو جهازًا لوحيًا لساعات طويلة يوميًا، حتى تحولت الشاشات عند كثير من الأسر من وسيلة ترفيه إلى “حل دائم” لإشغال الأطفال وتهدئتهم.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تتشكل مشكلة أعمق قد لا ينتبه لها كثيرون.

فالطفل الذي يقضي سنواته الأولى أمام المحتوى السريع والمتغير باستمرار، يتعود عقله على مستوى مرتفع جدًا من التحفيز.
صور تتحرك بسرعة، أصوات متتالية، وانتقال مستمر بين المقاطع دون أي مجهود ذهني حقيقي.

ومع الوقت، يبدأ الواقع الطبيعي في فقدان قدرته على جذب الانتباه.

المدرسة تبدو مملة،
القراءة تحتاج صبرًا،
والتركيز في شرح طويل يصبح أصعب من السابق.

المشكلة لا تتوقف عند التعليم فقط، بل تمتد إلى طريقة التفكير نفسها.
فالمحتوى القصير والسريع يدرب العقل على الاستجابة اللحظية، لا على التحليل أو التفكير العميق.

ولهذا أصبح كثير من الأطفال—and حتى الكبار—يعانون من صعوبة التركيز لفترات طويلة، أو من الملل السريع من أي نشاط لا يمنحهم نفس السرعة والإثارة التي اعتادوا عليها على الشاشة.

كما أن الاعتماد المستمر على الأجهزة يقلل تدريجيًا من التفاعل الحقيقي مع العالم.
وقت أقل في اللعب، والحركة، والحديث، والتجارب الواقعية، مقابل وقت أطول داخل عالم افتراضي مصمم لجذب الانتباه بأي وسيلة.

والأخطر أن بعض الأسر تنظر إلى هدوء الطفل أثناء استخدام الهاتف باعتباره علامة إيجابية، بينما قد يكون في الحقيقة انسحابًا تدريجيًا من التفاعل الطبيعي.

هذا لا يعني أن التكنولوجيا عدو، أو أن الحل هو منعها بالكامل، فالعالم نفسه أصبح قائمًا عليها.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول من أداة مفيدة إلى بديل كامل عن الحياة الحقيقية.

فالطفولة لا تُبنى فقط بالمعلومات،
بل بالحركة، والتجربة، واللعب، والتفاعل مع البشر.

وفي النهاية، ربما أخطر ما تفعله الشاشات ليس أنها تسرق وقت الأطفال فقط،
بل أنها قد تعيد تشكيل طريقة انتباههم وتفكيرهم منذ سنواتهم الأولى.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot