زمان كان الدجال يرتدي عباءة غامضة، يحمل بعض الطلاسم، ويهمس بكلمات غير مفهومة حول الأرواح والجن والكنوز المدفونة.
كان الناس يلتفون حوله بدافع الخوف أو الفضول، ثم يعودون إلى بيوتهم وقد خسروا بعض المال… أو بعض العقل.
أما اليوم، فقد تطور الدجل.. خلع العمامة وارتدى بدلة أنيقة، أو حمل هاتفًا حديثًا، أو جلس أمام كاميرا عالية الجودة، وتحدث بلغة “العلم”، و”الطاقة”، و”الوعي”، و”الذبذبات”، و”التحليل النفسي”، وربما أضاف بعض الآيات أو المصطلحات الأجنبية ليبدو أكثر إقناعًا.
الدجل لم يعد مجرد خداع بسيط… بل أصبح صناعة كاملة.
ما هو الدجل فعلًا؟
الدجل ليس فقط أن تكذب على الناس.
بل أن تمنحهم وهمًا مريحًا بدل الحقيقة المتعبة.
أن تقول للإنسان إن فشله سببه “عين حاسدة” بدل سوء التخطيط، وأن تقنعه أن النجاح يأتي بترديد جملة سحرية، لا بالعمل والوقت والخبرة.
وأن تجعل الجمهور يصدق أن الصراخ حكمة، وأن الثقة الزائدة علم، وأن كثرة المتابعين دليل على الصدق.
الدجل عبارة عن تحويل الجهل إلى عرض جماهيري.
أخطر أنواع الدجل
أخطر الدجالين ليسوا الذين يقرؤون الكف أو يصنعون الاحجبة، فهؤلاء على الأقل واضحون وصريحون. الخطر الحقيقي في أولئك الذين يعيدون تغليف الوهم داخل كلمات براقة مثل “التنمية البشرية”
“الوعي الكوني”
“الطاقة الإيجابية”
“التحكم في الواقع”
“السر الأعظم للنجاح”
“كيف تصبح مليونيرًا في أسبوع”
إنه الدجل حين يرتدي بدلة علمية ويتحدث بثقة مذيع أخبار.
لماذا ينجح الدجل؟
ينجح بل ويصير في الصفوف الأولى لأن الحقيقة مرهقة. بينما الوهم سهل وسريع وقابل للمشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي. أما العلم فيقول لك“الأمر يحتاج دراسة وتجربة وصبرًا” من الاخر العلم عايز مجهود.
أما الدجال فيقول لك“شاهد هذا الفيديو لمدة دقيقتين وستتغير حياتك” ومن الطبيعي أن ينتصر الفيديو على العلم.
الدجل الحديث لا يحب الأسئلة
أي فكرة حقيقية يطلقها عالم أو مفكر، تحتمل النقاش، أما الدجال يغضب من السؤال.
الدجال لا يريد جمهورًا يفكر، بل جمهورًا يصفق.
ولهذا تجد أتباعه يتعاملون مع النقد بثلاثيتهم المشهورة.. “البلد بتحارب الناجحين”، أو "اكيد محسود"، أو “مؤامرة”.
كلما اختفى التفكير… ازدهر الدجل.
إعادة تعريف المُعرَّف
ربما حان الوقت لنُعيد تعريف كلمة “دجال”، فالدجال الحديث ليس فقط من يدّعي معرفة الغيب، بل أيضًا من يبيع الوهم باعتباره علمًا، ومن يستثمر جهل الناس ليصنع مجدًا شخصيًا، ومن يحول الجمهور إلى قطيع يكرر الكلام دون فهم أو وعي، ومن يقنع الناس أن المشاعر بديل عن الحقائق.
الدجل لم يعد مرتبطًا بالخرافة فقط… بل أصبح أحيانًا مرتبطًا بالكاريزما، وعدد المشاهدات، وجودة الإضاءة، وطريقة الكلام أمام الكاميرا.
وفي عصر الضجيج الحالي، لم تعد المشكلة أن الدجال يتكلم… بل أن العاقل أحيانًا لا يجد من يسمعه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق