الثلاثاء، 12 مايو 2026

حين تتحوّل قوانين الأحوال الشخصية إلى ساحة صراع… من يدفع الثمن؟

د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

في كل مرة يُفتح فيها ملف الأحوال الشخصية في مصر، يتحوّل النقاش سريعًا إلى معركة:
المرأة ضد الرجل…
الأب ضد الأم…
النفقة ضد الرؤية…
الحضانة ضد الولاية…
وكأن الأسرة المصرية لم تعد كيانًا يجب حمايته، بل “ساحة تصفية حسابات” تُدار فيها الخصومات بالقانون بدل الحكمة، وبالانتقام بدل الإصلاح.

المؤلم حقًا أن أغلب النقاشات القانونية الحالية — قديمها وجديدها — تنطلق من سؤال واحد:
“من ينتصر؟”
ولا تنطلق من السؤال الأهم:
“كيف نحافظ على الأسرة؟ وكيف نحمي الطفل نفسيًا وإنسانيًا؟”

لقد تحوّلت قوانين الأحوال الشخصية، في كثير من الأحيان، إلى قوانين لإدارة الصراع بعد الانفصال… لا قوانين لحماية الإنسان قبل الانهيار وبعده.

الأسرة ليست معركة قانونية
حين تُصاغ القوانين بعقلية الخصومة، يصبح الأب “خصمًا”، وتصبح الأم “خصمًا”، ويتحوّل الطفل إلى ملف داخل قضية.

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالطفل لا يهمه مَن انتصر في المحكمة…
ولا يعرف معنى أحكام النفقة والرؤية والتمكين…
لكنه يشعر بكل شيء:
يشعر بالكراهية بين والديه،
يشعر بالإهانة، يشعر بأنه أداة ضغط، يشعر بأنه سبب الحرب أحيانًا.

ثم نسأل بعد سنوات:
لماذا ارتفعت معدلات الاكتئاب والعنف والاضطرابات النفسية والانحراف السلوكي؟

لأننا ببساطة نسينا أن الطفل ليس “ملحقًا قانونيًا”، بل إنسان تتشكّل روحه وسط هذا الخراب.

قوانين كثيرة… لكن أين “الأسرة”؟

المشكلة ليست فقط في نصوص القوانين، بل في الفلسفة التي تُدار بها.
هناك شعور متزايد داخل المجتمع أن كثيرًا من مواد الأحوال الشخصية تُبنى أحيانًا على ردّ فعل اجتماعي، أو ضغط نسوي، أو غضب رجالي، أو محاولات لإرضاء طرف على حساب الآخر… لا على أساس بناء أسرة متوازنة.
فبدل أن يكون القانون وسيلة للعدل، أصبح أحيانًا وقودًا للعداء.

بعض المواد تجعل الأب يشعر أنه “ممَوِّل” فقط بلا دور تربوي حقيقي.
وبعض الممارسات تجعل الأم تشعر أنها تُترك وحدها في مواجهة أعباء الحياة.
وفي النهاية يخرج الطرفان مكسورَين… ويخرج الطفل أكثرهم تحطمًا.

الأب ليس ماكينة نفقة… والأم ليست عدوًا
من أخطر ما حدث في الخطاب الاجتماعي والقانوني أننا اختزلنا الأبوة في المال، واختزلنا الأمومة في الحضانة.

بينما الحقيقة أن الطفل يحتاج:
أبًا حاضرًا نفسيًا وتربويًا،
وأمًا مستقرة ومحترمة وآمنة،
وعلاقة إنسانية راقية بين الطرفين حتى بعد الانفصال.

لكن ماذا يحدث الآن؟
يتم استخدام الأطفال أحيانًا كسلاح:
حرمان من الرؤية، تشويه صورة الأب، التهديد بالنفقة،
إهانة الأم، إطالة أمد التقاضي،
تحويل حياة الطفل إلى ممرّات محاكم وأقسام شرطة.

أي مجتمع هذا الذي يتخيّل أن طفلًا ينشأ سويًا وسط كل هذا الخراب النفسي

أين الدين من كل هذا؟
المجتمع المصري بطبيعته مجتمع متدين، والأسرة فيه ليست مجرد عقد قانوني، بل رابطة إنسانية وأخلاقية ودينية.

لكن الأزمة أن بعض القوانين تُناقَش أحيانًا وكأنها منفصلة عن روح الدين، وعن مقاصده الكبرى في الرحمة والعدل والمودة وحماية الأطفال.

الدين لم يأتِ ليُهين الرجل…
ولم يأتِ ليسحق المرأة…
ولم يأتِ ليحوّل الطفل إلى ضحية.
بل جاء ليقيم التوازن.
فالعدل ليس انتصار النساء على الرجال، ولا انتصار الرجال على النساء، بل حماية الجميع من الظلم.
لماذا لا تكون “مصلحة الطفل” هي الأساس الحقيقي؟

في دول كثيرة، أصبح المعيار الأول في أي قانون أسري هو:
“ما الذي يحافظ على الصحة النفسية للطفل؟”
أما عندنا، فكثيرًا ما يبدو الطفل آخر من يتم التفكير فيه.
لا توجد رؤية حقيقية واسعة لدعم الصحة النفسية للأطفال بعد الانفصال.
لا توجد برامج إلزامية للإرشاد الأسري قبل الطلاق.
لا توجد آليات فعالة تمنع تشويه أحد الوالدين أمام الأبناء.
ولا توجد فلسفة قانونية واضحة تُبقي الأب والأم شريكين في التربية حتى لو انتهت العلاقة الزوجية.

النتيجة؟
أجيال مشوّهة نفسيًا،
خائفة من الزواج،
فاقدة للأمان،
تحمل عقدًا عاطفية وغضبًا دفينًا تجاه الأسرة نفسها.
هل المطلوب هدم الأسرة أم إنقاذها؟
حين تصبح القوانين سببًا في زيادة الكراهية بدل تقليلها، فلابد أن نتوقف ونسأل:
هل نحن نبني أسرة أم ندير انهيارها؟

القانون الحقيقي لا يصنع حربًا بين الرجل والمرأة، بل يخلق توازنًا يحفظ الكرامة والحقوق والإنسانية.
نحتاج قوانين:
تحفظ حق المرأة دون شيطنة الرجل،
وتحفظ مكانة الأب دون قهر الأم،
وتضع الطفل في المرتبة الأولى لا الأخيرة.

نحتاج قوانين تُصلح لا تُحرّض،
تداوي لا تنتقم،
تحمي النسيج المصري بدل تمزيقه.
الأسرة ليست قضية… الأسرة وطن صغير

حين تنهار الأسرة، لا ينهار بيت واحد فقط… بل ينهار مجتمع كامل بالتدريج.

فالأسرة المستقرة لا تصنع طفلًا سعيدًا فقط، بل تصنع مواطنًا متوازنًا، ومجتمعًا أكثر رحمة، وأقل عنفًا، وأكثر استقرارًا.

أما تحويل قوانين الأحوال الشخصية إلى معارك انتقامية، فلن ينتج رجالًا أسوياء، ولا نساء مطمئنات، ولا أطفالًا أصحاء نفسيًا.
وساعتها…
لن يكون الخاسر رجلًا أو امرأة فقط، بل مصر كلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot