في مشهد صادم خرج من قلب القصاصين، لم يكن الحريق مجرد ألسنة لهب تلتهم كشكًا صغيرًا، بل كان صرخة مدوية لمواطن ضاقت به السبل حتى اختار أن يحرق مصدر رزقه بيده.
الاسم واضح: رجب الصغير.
لكن السؤال الأهم: من أوصله إلى هذه اللحظة؟
رجب لم يكن مجرمًا، ولم يكن يبحث عن بطولة زائفة، بل كان – كغيره من آلاف البسطاء – يحاول أن يعيش. كشك بسيط، لقمة عيش محدودة، وأمل متواضع في يوم أفضل. لكن حين تتحول الحياة إلى سلسلة من الضغوط، والشكوى إلى صدى لا يسمعه أحد، يصبح اليأس هو القرار الوحيد المتاح.
أن يحرق إنسان رزقه، فهذه ليست لحظة غضب عابرة… هذه لحظة انهيار كاملة.
انهيار ثقة، انهيار أمل، وانهيار شعور بأن هناك دولة تسمع أو ترى.
ما حدث مع رجب الصغير ليس واقعة فردية يمكن طيّها في سطر خبر، بل هو عرض لمرض أكبر:
حين يشعر المواطن أن القانون لا يحميه، وأن الشكوى لا تُنصفه، وأن رزقه مهدد في أي لحظة بلا سند… ماذا يتبقى له؟
الأخطر من الحريق نفسه، هو ما يكشفه:
غياب قنوات فعالة لاحتواء شكاوى البسطاء
بطء أو تجاهل في حل أزمات تمس “لقمة العيش”
شعور متزايد بأن البسيط وحده من يدفع الثمن
المشهد مؤلم، لكنه أيضًا مخيف.
لأن رجب الصغير لم يحرق كشكًا فقط… بل حرق فكرة الصبر نفسها.
اليوم هو رجب، وغدًا قد يكون غيره.
فحين يصل الإنسان إلى مرحلة يفضل فيها أن يدمر كل شيء بيده، فهذا يعني أن كل الأبواب أُغلقت في وجهه.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
كم “رجب” آخر ننتظر حتى نتحرك؟
وكم كشكًا يجب أن يحترق قبل أن ندرك أن الظلم – حين يُترك بلا علاج – يتحول إلى نار لا تُطفأ؟
ما حدث ليس مجرد حريق…
بل إنذار أخير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق