الخميس، 19 مارس 2026

هل نعيش وهم الإنجاز بدل الإنجاز الحقيقي؟

في عالم مليء بالمهام السريعة، والإشعارات المستمرة، وقوائم “ما يجب إنجازه”، أصبح من السهل أن نشعر بأننا نتحرك طوال الوقت. لكن السؤال الأهم: هل هذا التحرك يعني أننا نُنجز فعلًا؟ أم أننا نعيش وهم الإنجاز؟
اليوم، يمكن للإنسان أن يقضي يومه كاملًا في أداء عشرات المهام الصغيرة: الرد على الرسائل، تصفح الأخبار، حضور اجتماعات، ترتيب ملفات، متابعة منصات التواصل. وفي نهاية اليوم يشعر بأنه “كان مشغولًا جدًا”. لكن عند التوقف للحظة، قد يكتشف أنه لم يقترب خطوة حقيقية من هدفه الأكبر.
وهنا يظهر الفرق بين الانشغال والإنجاز.
الانشغال يعني ملء الوقت، أما الإنجاز الحقيقي فيعني تحقيق تقدم ملموس نحو هدف واضح.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت من هذا الوهم. فمجرد نشر فكرة، أو مشاركة رأي، أو الحديث عن خطط مستقبلية قد يعطي شعورًا بالإنجاز، رغم أن شيئًا لم يتحقق على أرض الواقع. وكأن التعبير عن الفكرة أصبح بديلًا عن تنفيذها.
كما أن بعض أدوات الإنتاجية نفسها قد تساهم في هذا الشعور. فتنظيم المهام، ووضع الخطط، ومتابعة القوائم، كلها أمور مفيدة، لكنها قد تتحول إلى هدف بحد ذاته، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق هدف أكبر.
هناك أيضًا جانب نفسي مهم. الإنسان بطبيعته يبحث عن الشعور بالإنجاز، حتى لو كان سريعًا ومؤقتًا. لذلك ينجذب إلى المهام السهلة التي تمنحه إحساسًا فوريًا بالتقدم، ويؤجل المهام الأصعب التي تحتاج وقتًا وجهدًا حقيقيين.
لكن المشكلة أن هذا النمط قد يخلق دائرة مغلقة:
نشعر أننا نُنجز، فنستمر في نفس السلوك، دون أن نحقق تقدمًا حقيقيًا.
الإنجاز الحقيقي مختلف.
هو غالبًا بطيء، غير مريح، وأحيانًا غير مرئي في بدايته. لا يأتي من كثرة الحركة، بل من التركيز على ما هو مهم، حتى لو كان قليلًا.
في النهاية، ليس كل ما يُشعرك بالإنتاجية هو إنجاز حقيقي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: “كم فعلت اليوم؟”
بل: “هل ما فعلته قرّبني فعلًا مما أريد؟”
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot