بقلم السيناريست وليد عبدالنبي
لم تعد الدراما المعاصرة مجرد حكايات تُروى، أو شخصيات نتابعها بدافع الفضول، بل أصبحت – في كثير من الأحيان – مساحة خفية لإعادة تشكيل مشاعرنا، وتوجيه تعاطفنا، وربما… إرباك بوصلتنا الأخلاقية.
المشكلة لم تعد في عرض الخطأ، فالدراما الحقيقية لا يمكن أن تكون معقمة أو مثالية، لكن الخطر يكمن في شيء أعمق:
أننا لم نعد نُشاهد لنفهم… بل أصبحنا نشعر قبل أن نحكم.
وهنا تبدأ الحكاية.
في عدد كبير من الأعمال، يتم بناء الشخصية المخطئة بعناية شديدة؛ تُعرض معاناتها، وتُروى قصتها، وتُكشف جراحها، حتى يجد المشاهد نفسه منجذبًا إليها، متعاطفًا معها، وربما… مدافعًا عنها. ونحن هنا نناقش الأفكار ولا نقيسها بمدي النجاح والانتشار .
خذ مثلًا شخصية “رفاعي الدسوقي” في الأسطورة، الذي بدأ كضحية للظلم، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى جزء من عالم العنف والسلاح.
ورغم ذلك، لم يتخلَّ عنه الجمهور، بل احتفظ له بمكانة “البطل”، لأنه تعاطف مع بداياته، وغضّ الطرف عن نهاياته.
وفي جعفر العمدة، قُدمت شخصية قوية، ذات حضور طاغٍ، لكنها في الوقت ذاته تحمل سلوكيات معقدة ومؤذية في علاقاتها.
ومع ذلك، ظل التعاطف معها حاضرًا، لأن العمل نجح في تسليط الضوء على قوتها ومظلوميتها أكثر من أخطائها.
ولا يختلف الأمر كثيرًا في Breaking Bad، حيث تابع العالم رحلة “والتر وايت”، المدرس البسيط الذي تحول إلى تاجر مخدرات.
الخطير هنا، أن المشاهد لم يرفضه… بل سار معه خطوة بخطوة، يبرر له، ويتفهمه، وربما يتمنى له النجاة.
أما في فيلم Joker، فقد بلغ الأمر ذروته؛
شخصية مضطربة نفسيًا تتحول إلى قاتل، ومع ذلك يجد كثيرون أنفسهم متعاطفين معها، بل ومبررين لأفعالها، لأن الفيلم نجح في جعل الألم أكثر حضورًا من الجريمة.
هنا لا تكمن المشكلة في هذه الشخصيات بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها.
فالدراما الحديثة لا تطلب منك أن تُقيّم الفعل، بل أن تشعر… أن تغرق في التجربة الإنسانية للشخصية، حتى تفقد المسافة التي تتيح لك الحكم.
وبمرور الوقت، يحدث تحول صامت:
لم نعد نسأل “هل ما حدث صحيح أم خطأ؟”
بل أصبح السؤال: “هل لديه ما يكفي من الألم لنغفر له؟”
وهذا أخطر انزلاق يمكن أن يحدث في الوعي.
لأن الفهم شيء، والتبرير شيء آخر.
والتعاطف لا يعني إسقاط المساءلة، ولا يُلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله.
لكن حين تتكرر هذه الأنماط، يبدأ المشاهد – دون أن يشعر – في إعادة برمجة مشاعره.
فيتعاطف حيث يجب أن يتوقف،
ويغفر حيث يجب أن يُفكر،
ويبرر حيث كان يجب أن يضع حدًا.
الأخطر أن هذا التأثير لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى الواقع.
فنجد من يبرر الأذى في علاقاته لأنه “يفهم الطرف الآخر”،
ومن يستمر في دائرة مؤلمة لأنه تعلّم أن الرحمة أهم من الحدود،
ومن يُسكت صوته الداخلي لأنه لم يعد واثقًا من حكمه.
وهنا تتحول الدراما من مرآة للحياة… إلى قوة تعيد تشكيلها.
إننا لا نحتاج إلى دراما بلا مشاعر،
بل نحتاج إلى دراما تعيد الاتزان لمشاعرنا،
دراما تُعلّمنا أن نتعاطف… دون أن نفقد بصيرتنا، وأن نفهم… دون أن نُبرر، وأن نرحم… دون أن نُهدر حقنا في التمييز.
لأن أخطر ما قد نخسره…
ليس الحقيقة، بل قدرتنا على الشعور بها بشكل صحيح. بقلم المؤلف والسيناريست. وليد عبد النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق