كتبت أ هبة رأفت.
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
ها هي ليلة العيد تُطلّ علينا، تحمل في طيّاتها مشاعر متناقضة؛ فرحةٌ بتمام النعمة، وحزنٌ خفيّ على وداع شهرٍ كان لنا فيه حالٌ آخر مع الله.
رمضان لم يكن مجرد أيامٍ مضت، بل كان مدرسةً إيمانية غيّرت فينا الكثير؛ قلوبٌ خشعت، وأعينٌ دمعت، وألسنةٌ اعتادت الذكر، وأرواحٌ اقتربت من خالقها.
واليوم… نقف على أعتابه الأخيرة، لا ندري: أكنّا من المقبولين أم من المحرومين؟
كان السلف الصالح -رحمهم الله- أشدّ خوفًا على أعمالهم بعد الطاعة منهم قبلها، لأنهم أدركوا أن العبرة ليست بكثرة العمل، بل بقبوله. قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
فكم من عملٍ عظيمٍ رُدّ، وكم من عملٍ قليلٍ رُفع بالإخلاص!
وفي هذه الليلة، تمتزج في قلوب المؤمنين مشاعر الامتنان والرجاء؛
امتنانٌ أن بلّغنا الله رمضان وأعاننا على صيامه وقيامه،
ورجاءٌ صادق أن يتقبّل منا ما قدّمنا، رغم تقصيرنا وزلاتنا.
ليلة العيد ليست ليلة غفلة، بل هي من مواسم القرب، وكان من هدي الصالحين إحياؤها بالذكر والدعاء، لا باللهو والانشغال. فهي ختام موسمٍ عظيم، وأجمل ما يُختم به العمل: التضرّع والافتقار بين يدي الله.
فيا من اجتهدت في رمضان… لا تظن أن الطريق قد انتهى، بل لعله قد بدأ.
ويا من قصّرت… فباب الله ما زال مفتوحًا، وهذه الليلة فرصةٌ صادقة لبداية جديدة.
اجعل من هذه اللحظات وقفة صدق مع نفسك:
هل تغيّر قلبك؟ هل اقتربت من ربك؟ هل ستبقى على ما كنت عليه من طاعة؟
العيد ليس نهاية الرحلة، بل هو اختبارٌ حقيقي للثبات.
فإن كنت قد تعوّدت على القرآن، فلا تهجره،
وإن ألفت القيام، فلا تتركه،
وإن ذقت حلاوة القرب، فلا تستبدلها بالغفلة.
وفي ختام هذا الشهر، لا نملك إلا أن نرفع أكفّ الضراعة:
اللهم تقبّل منا رمضان، واغفر لنا الزلل والتقصير، واكتبنا من عتقائك من النار، ولا تجعل هذا الشهر آخر عهدنا به.
كل عام وقلوبكم أقرب إلى الله… وكل عيد وأنتم في طاعة وثبات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق