الخميس، 19 مارس 2026

لماذا أصبح التكرار ينجح أكثر من الابتكار أحيانًا؟

من المنطقي أن نعتقد أن الابتكار هو الطريق الأسرع للنجاح، وأن من يأتي بفكرة جديدة كليًا هو الأجدر بالتفوق. لكن الواقع يكشف مفارقة لافتة: في كثير من الأحيان، ينجح من يكرر فكرة موجودة أكثر ممن ابتكرها من البداية.
السبب الأول يعود إلى طبيعة الإنسان نفسه. فالبشر يميلون إلى ما يعرفونه ويشعرون تجاهه بالأمان. الفكرة الجديدة تمامًا قد تُقابل بالتردد أو الرفض، لأنها غير مألوفة. أما الفكرة المكررة، حتى لو كانت مطورة قليلًا، فتكون أسهل في الفهم والقبول.
السبب الثاني هو أن الابتكار لا يكفي وحده. الفكرة الجديدة تحتاج إلى وقت حتى يفهمها السوق، وإلى جهد كبير لتغيير سلوك الناس. أما من يأتي بعد ذلك، فإنه يستفيد من هذا الجهد دون أن يتحمل تكلفته. هو لا يبدأ من الصفر، بل يبني على طريق ممهّد.
هناك أيضًا عامل مهم وهو التوقيت. قد تظهر فكرة مبتكرة في وقت غير مناسب، فتفشل، ليس لأنها سيئة، بل لأن السوق لم يكن مستعدًا لها. ثم تأتي نفس الفكرة لاحقًا في توقيت مختلف فتنجح بشكل كبير. في هذه الحالة، لا يكون النجاح للفكرة بقدر ما هو للتوقيت.
كما أن التكرار يتيح فرصة التحسين. من يكرر فكرة موجودة يستطيع أن يرى أخطاء من سبقه، فيتجنبها، ويضيف لمسات تجعل المنتج أو الخدمة أكثر ملاءمة للناس. أحيانًا لا يحتاج السوق إلى فكرة جديدة، بل إلى نسخة أفضل من فكرة موجودة.
ولا يمكن تجاهل عامل التنفيذ. فكثير من الأفكار العظيمة فشلت بسبب ضعف التنفيذ، بينما نجحت أفكار أبسط لأنها نُفذت بشكل احترافي. في النهاية، السوق لا يكافئ الفكرة وحدها، بل يكافئ القدرة على تحويلها إلى واقع ناجح.
لكن هذا لا يعني أن الابتكار بلا قيمة. على العكس، الابتكار هو ما يفتح الباب من الأساس. لولا من يجرؤ على تقديم الجديد، لما وُجد ما يمكن تكراره أو تطويره. إلا أن النجاح النهائي كثيرًا ما يكون من نصيب من يأتي لاحقًا ويقدم الفكرة بشكل أنسب للواقع.
في النهاية، لم يعد السؤال: من فكّر أولًا؟ بل أصبح: من قدّم الفكرة بشكل أفضل، وفي الوقت المناسب، وبطريقة يفهمها الناس؟
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot