لم يكن القرآن الكريم في التصور الإسلامي نصًّا ناقصًا ينتظر من يُكمّله،
ولا مشروعًا غير مكتمل يحتاج إلى تصحيح لاحق،
بل نزل بنصه ومعناه كتاب هدايةٍ تامًّا،
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾.
ومن هذا الأصل الجوهري نفهم موقع السُّنّة النبوية،
فهي لم تأتِ لتناقض القرآن،
ولا لتُلغي حكمًا قطعيًّا منه،
ولا لتُبدِّل ما قرره نصٌّ صريح،
بل جاءت مفصِّلة ومبيِّنة ومتمِّمة في مجال التطبيق،
لا في مجال التشريع المتناقض.
القرآن نفسه حدّد دور النبي صلي الله عليه وسلم بوضوح:
البلاغ، والبيان، والتطبيق العملي.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾
ولم يقل: لتُغيّر، أو لتُلغي، أو لتستدرك نقصًا.
فالتبيين لا يعني إضافة حكم يناقض النص،
ولا إنشاء تشريع يُبطل آية محكمة،
وإنما شرح المجمل،
وتقييد المطلق،
وتفصيل ما جاء عامًا في إطار منسجم مع القرآن نفسه.
العقل والمنطق والقرآن معًا يرفضون فكرة التعارض الحقيقي بين القرآن والسنة الصحيحة.
فالله سبحانه:
ليس عاجزًا عن ذكر حكم في كتابه
ولا ناسِيًا فيحتاج إلى تصحيح
ولا مترددًا فينزل حكمًا ثم يُلغيه بوحي آخر دون بيان قرآني
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾
و﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾
فإذا وُجد حديث يُفهم منه أنه:
يُلغي حكمًا قرآنيًا قطعيًا
أو يُناقض آية محكمة الدلالة
أو يُغيّر تشريعًا صريحًا
فالإشكال ليس في القرآن،
بل في نسبة هذا القول إلى النبي صلي الله عليه وسلم.
معيار القَبول: القرآن أولًا
العلماء الراسخون لم يقدّسوا الروايات بلا ضابط،
بل وضعوا ميزانًا واضحًا:
ما وافق القرآن قُبِل
وما خالفه رُدّ
وما اشتبه أُوِّل أو تُوقّف فيه
لأن النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول ما يناقض كلام الله،
ولا أن يُشرّع خلاف ما أُنزِل عليه.
ولهذا قال بعض الأئمة:
“إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله”.
ليس انتقاصًا من السنة،
بل حمايةً لها من الدخيل والمكذوب.
كثير من الإشكالات المعاصرة جاءت من الخلط بين:
السُّنّة بوصفها بيانًا عمليًا
وبين تحويلها إلى مصدر يُقدَّم على القرآن أو يُعارِضه
وهذا الخلط لم يخدم الدين،
بل فتح باب التشكيك والطعن،
وأدخل إلى التراث ما لا ينسجم مع روح القرآن ولا عدله ولا حكمته. بقلم. الدكتورة...نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق