الاثنين، 2 نوفمبر 2026

" ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا فأُخبرَهُ بما فعلَ المشيبُ "



تحياتي/د. فاطمة الزهراء عزب 
 من قطار العمر .. ليس هناك ما هو أسرع من العمر، ولا ما هو أغلى من لحظة تمضي دون أن ندرك قيمتها. وبين بدايات الشباب ونهايات العمر، تتشكل حكايات الإنسان، وتُكتب فصول من الأحلام والطموحات، حتى يأتي يوم ينظر فيه إلى الوراء، فيتردد صدى كلمات أبي العتاهية: " ألا ليت الشباب يعود يومًا.. فأخبره بما فعل المشيب "..
إنها ليست مجرد أبيات شعرية قيلت في لحظة حنين، بل هي صرخة إنسانية تختصر مشاعر أجيال كاملة، عاشت أحلام الشباب، وواجهت تقلبات الحياة، ثم اكتشفت متأخرة أن الزمن لا يمنح أحدًا فرصة استعادة ما مضى..
الشباب.. ثروة لا ندرك قيمتها إلا حين نفقدها..
ففي مرحلة الشباب، يمتلك الإنسان طاقة لا حدود لها، وأحلامًا تتجاوز الواقع، وقلبًا يتسع للأمل، وعقلًا يتطلع إلى المستقبل. لكنه، في كثير من الأحيان، يستهلك هذه الثروة الثمينة في الانشغال بالتفاهات، وتأجيل الأحلام، ومطاردة أمور لا تستحق، متصورًا أن العمر طويل، وأن الفرص لا تنفد..
لكن الأيام تمضي، والسنوات تتسابق، وتتغير ملامح الحياة، حتى يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة لا تقبل الجدل: أن الوقت الذي مضى لن يعود، وأن بعض الفرص إذا ضاعت لا يمكن تعويضها..
المشيب.. ذاكرة العمر ورسائل الماضي ..
ليس المشيب مجرد تغير في لون الشعر أو علامة على تقدم السن، بل هو ذاكرة تحمل بين طياتها تجارب السنين، وندوب الخيبات، وثمار النجاحات، وأمنيات لم تجد طريقها إلى النور..
ومع مرور العمر، تتغير أولويات الإنسان، فيدرك أن الصحة كنز، وأن راحة البال ثروة، وأن العائلة سند، وأن الكلمة الطيبة والأثر الحسن أبقى من كل مظاهر الثراء والشهرة..
وربما لا يكون الندم الحقيقي على سنوات مضت، بقدر ما يكون على أشياء كان بإمكاننا فعلها ولم نفعل، وأحلام امتلكنا القدرة على تحقيقها لكننا استسلمنا للخوف أو التسويف..
حقا.. إن الحديث عن الشباب لا ينبغي أن يتحول إلى رثاء للماضي أو دعوة للاستسلام للندم، بل يجب أن يكون جرس إنذار للأجيال الجديدة؛ فالشباب ليس مرحلة عمرية فحسب، وإنما مسؤولية وفرصة لصناعة المستقبل..
على الشباب أن يدركوا أن النجاح لا يأتي مصادفة، وأن الأحلام لا تتحقق بالأمنيات، بل بالعلم والعمل والإصرار، وأن بناء الإنسان يبدأ من احترامه لوقته، وإيمانه بقدراته، وإدراكه لمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه .. حقا.. و تبقى مقولة «ألا ليت الشباب يعود يومًا» درسًا خالدًا في قيمة الزمن، ورسالة تتجاوز حدود العمر والأجيال. فلا تنتظروا المشيب حتى تدركوا قيمة الشباب، ولا تنتظروا ضياع الفرص حتى تتعلموا كيف تغتنمونها..
عِش حاضرك بوعي، واصنع مستقبلك بإرادة، واترك خلفك أثرًا طيبًا يستحق أن يُروى؛ فالأعمار لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بما نتركه فيها من إنجازات ومواقف وذكريات .. حقا.. الشباب كنز العمر الذي لا ندرك قيمته إلا حين نفقده .. 
ويبقى السؤال للشباب ... ماذا سنفعل بشبابنا قبل أن يصبح ذكرى.؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot