بقلم/ امل صالح سليم
لم يعد أخطر ما يهدد مجتمعنا هو الفقر أو الغلاء أو ضغوط الحياة... بل ذلك اليوم الذي أصبح فيه الإنسان يرى وجع أخيه ثم يدير وجهه ويكمل طريقه وكأن شيئا لم يكن.
لقد أصبح الألم مادة للسخرية والدموع سببا للاتهام والانكسار فرصة للتنمر.
كم مرة جلس شخص بين الناس وهو يصرخ من الداخل لكنه لم يجد سوى ضحكات ساخرة وكلمات جارحة؟ بدلا من أن نسأله: "ماذا يؤلمك؟"، نسأله: "أنت بتمثل؟" وبدلا من أن نحتويه نحاكمه. وبدلا من أن نمد له يدا ندفعه أكثر نحو الهاوية.
الأخطر من ذلك أننا بدأنا نتعامل مع القسوة وكأنها قوة ومع السخرية وكأنها ذكاء ومع انعدام المشاعر على أنه "شخصية قوية".
وهنا تبدأ الكارثة...
فالإنسان الذي يفقد إحساسه بآلام الآخرين يصبح أكثر استعدادا لإيذائهم وعندما يكبر جيل لا يعرف الرحمة ولا يسمع إلا الأحكام يصبح العنف لغة يومية ويصبح السلاح أسرع من الحوار.
انظروا إلى ما يحدث في الشوارع... خلاف على أولوية المرور ينتهي بطعن كلمة عابرة تتحول إلى جريمة قتل مشادة بسيطة تنتهي بدماء.
هل أصبح الإنسان رخيصا إلى هذه الدرجة؟
لسنا أمام أزمة أخلاق فقط بل أمام تآكل حقيقي في الضمير الإنساني.
صحيح أن الجريمة لا تنتج عن سبب واحد فهناك عوامل اقتصادية ونفسية وأسرية واجتماعية عديدة لكن المجتمع الذي يفتقد الرحمة والتعاطف يترك أفراده أكثر عرضة للغضب واليأس والعنف.
كل مجرم كان طفلا يوما ما... وكل طفل كان يحتاج إلى احتواء وكل إنسان انكسر كان ينتظر من يسمعه لا من يسخر منه.
قد لا يمنع التعاطف كل الجرائم لكنه قد يمنع كثيرا من الانكسارات التي تسبقها.
إن الإنسانية ليست كلمة نرددها في المناسبات بل هي أسلوب حياة تبدأ بابتسامة وتكبر بكلمة طيبة وقد تنتهي بإنقاذ إنسان من قرار يندم عليه الجميع.
فلنسأل أنفسنا قبل أن نحاكم الآخرين كم شخصا كسرناه بكلمة؟ وكم قلبا تركناه يواجه ألمه وحده؟ وكم مرة اخترنا السخرية بدل الرحمة؟
ربما تكون الجريمة قد بدأت بسكين... لكنها في كثير من الأحيان تبدأ قبل ذلك بكثير عندما يموت التعاطف في القلوب ويصبح الإنسان مجرد رقم لا يشعر به أحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق