✍️ بقلم:
أ/ هبة رأفت.
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري.
الاحتراق النفسي ليس مجرد شعور عابر بالتعب أو الإرهاق بعد يوم طويل، بل هو حالة من الاستنزاف النفسي والجسدي والعاطفي تحدث نتيجة التعرض لضغوط مستمرة لفترات طويلة دون الحصول على الراحة الكافية أو الدعم المناسب. ومع مرور الوقت يشعر الإنسان بأنه فقد طاقته وحماسه وقدرته على الإنجاز وأصبح يؤدي مسؤولياته بشكل آلي دون شغف أو رغبة حقيقية في الاستمرار.
قد يبدأ الاحتراق النفسي بشكل تدريجي فلا ينتبه إليه الإنسان في بدايته، فيظن أن الأمر مجرد إرهاق مؤقت، لكنه مع استمرار الضغوط يلاحظ أنه أصبح سريع الانفعال، قليل الصبر، فاقدًا للتركيز، ويشعر بأن أبسط المهام أصبحت تحتاج إلى مجهود كبير. كما قد يفقد متعته بالأشياء التي كان يحبها، ويصبح أكثر ميلًا للعزلة، ويشعر بأن طاقته تنفد سريعًا مهما حصل على فترات من الراحة.
وتتعدد أسباب الاحتراق النفسي، فقد يكون نتيجة ضغوط العمل المستمرة، أو كثرة المسؤوليات الأسرية، أو السعي الدائم إلى الكمال، أو تحمل أعباء الآخرين على حساب النفس، أو عدم الشعور بالتقدير، أو التعرض لمشكلات وضغوط متكررة دون وجود متنفس صحي للتعبير عن المشاعر. كما أن إهمال الاحتياجات الشخصية مثل النوم الكافي والراحة وممارسة الهوايات يزيد من احتمالية الوصول إلى هذه الحالة.
ولا يقتصر تأثير الاحتراق النفسي على الحالة المزاجية فقط، بل قد ينعكس على الصحة الجسدية أيضًا، فيظهر في صورة صداع متكرر، واضطرابات في النوم، وضعف في التركيز، وآلام عضلية، وتغير في الشهية، والشعور بالإجهاد حتى بعد الاستيقاظ من النوم. وقد يؤثر كذلك في العلاقات الأسرية والاجتماعية، فيصبح الإنسان أقل صبرًا وأكثر ميلًا للانسحاب من المحيطين به، وقد تنخفض كفاءته في العمل أو الدراسة بسبب تراجع الدافعية والتركيز.
ومن المهم أن ندرك أن الاحتراق النفسي لا يعني ضعف الشخصية، بل هو إشارة يرسلها العقل والجسد بأنهما وصلا إلى مرحلة من الاستنزاف تحتاج إلى التوقف وإعادة التوازن. لذلك فإن تجاهل هذه الإشارات قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة ويزيد من احتمالية الإصابة بالقلق أو الاكتئاب لدى بعض الأشخاص.
ويمكن الوقاية من الاحتراق النفسي من خلال تنظيم الوقت، ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، وتوزيع المسؤوليات، والاهتمام بالنوم الكافي، وممارسة الرياضة أو أي نشاط يمنح الشعور بالراحة، والحرص على قضاء وقت مع الأشخاص الداعمين، والتعبير عن المشاعر بدلًا من كبتها، وعدم تحميل النفس ما يفوق قدرتها، وتقبل أن الكمال ليس شرطًا للنجاح.
وعندما يشعر الإنسان بأن الإرهاق أصبح يؤثر في حياته اليومية أو استمر لفترة طويلة رغم محاولات الراحة، فمن المهم طلب الدعم من مختص نفسي للمساعدة في فهم الأسباب ووضع خطة مناسبة لاستعادة التوازن النفسي واستعادة القدرة على الاستمتاع بالحياة.
إن الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل هو ضرورة للحفاظ على جودة الحياة والعلاقات والنجاح في العمل والأسرة. فالإنسان الذي يمنح نفسه حقها من الراحة والاهتمام يكون أكثر قدرة على العطاء ومواجهة التحديات بثبات واتزان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق