بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
تتوقف أسواق الطاقة عن التفاعل وتبدأ في إعادة تسعير الواقع
ما نشهده اليوم ليس تصعيدًا سياسيًا بالمعنى التقليدي ولا صدمة مفاجئة في إمدادات الطاقة بل هو اختبار قاسٍ لمسلمات ظل العالم يتعامل معها طويلًا على أنها خطوط لا تُمس سوق النفط لا يسأل هل ستقع المواجهة بل يسأل هل ما كان مستبعدًا بالأمس ما زال كذلك هنا يتحرك المؤشر الحقيقي بهدوء
الطاقة لا تتفاعل مع الأخبار بل مع القواعد التي تحكم تكرارها وحين يدخل عدم اليقين إلى قلب هذه القواعد يتغير منطق التسعير من استجابة مؤقتة إلى بناء علاوة مخاطرة طويلة الأجل هذه العلاوة لا تعكس نقصًا فعليًا في المعروض بل شكًا في بقاء السقف السياسي للتصعيد
الخطأ التحليلي السائد اليوم هو قراءة تحركات الطاقة بمنطق العرض والطلب فقط بينما الإشارة الأعمق ليست في البراميل بل في السابقة هل يمكن أن يصبح تعطيل الطاقة أداة سياسية مفتوحة بلا قيود إذا حدث ذلك لا ترتفع الأسعار خوفًا بل بسبب انهيار الإطار الذي كان ينظمها
حتى القوى الكبرى لا تختبر قوتها العسكرية هنا بقدر ما تختبر قدرتها على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته النفط ليس سلعة فقط بل ركيزة نقدية وضامن استقرار اجتماعي وناقل مباشر للتضخم وأي خلل فيه يرتد على أسعار الفائدة والمالية العامة والضغط المجتمعي
لهذا فإن ما نعيشه ليس أزمة نفط بل أزمة قراءة من يركز على الضجيج يرى أحداثًا ومن يركز على القواعد يرى تحولًا الإشارة ليست في التصعيد بل في اهتزاز المسلمات وحين تهتز المسلمات لا تعيد الأسواق تسعير الحدث بل تعيد تسعير العالم
هذه ليست لحظة انهيار بل لحظة انكشاف والفرق بينهما هو ما يحدد من يرى الواقع ومن يضلل نفسه بتحليل مألوف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق