الاثنين، 8 يونيو 2026

«زواج على وثيقة طلاق» !!

ما نخشاه أن يتحول الميثاق الغليظ بما فيه من المعروف والإحسان إلى بنود عقد يتربص فيه كل طرف بالآخر، وتحل سوء النوايا محل المودة والرحمة، فنجد أنفسنا في النهاية أمام

 «زواج على وثيقة طلاق» !!

  بقلم✍🏻احمد حمدى 
مستشار  علاقات دبلوماسية المجلس العربى الافريقى الدولى 

لا يوجد منتصر فى ساحة المعارك التى تندلع إثر خلافات أسرية، فى تلك الساحة يصير الجميع خاسرًا، لذلك كان الصلح والتوفيق بين الأزواج هو المبدأ الأول قبل السير إلى أبغض الحلال وقطع الميثاق الغليظ بين الرجل والمرأة، وهو ما أقرته المادة السادسة من مشروع قانون الأسرة الجديد؛ حيث عرفت الزواج بأنه ميثاق شرعى غايته إنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين، على أسس تكفل لهما تحمل أعباءها بمودة ورحمة.
وبما أن أهل الاختصاص فى التشريع والقانون والفقه والاجتماع هم الأولى فى مناقشة مواد مشروع القانون؛ فعليهم أن يشرحوا لنا الفوائد التى يروج لها المتحمسون بوصف القانون أنه إعادة ضبط منظومة الزواج ووضع حلول واضحة للنزاعات المحتملة بين الزوجين، كما ينبغى عليهم توضيح حقيقة الضرر الذى يسيطر على معارضى هذا القانون بأنه يحمل عددًا من المواد التى قد تؤدى إلى اضطراب فى استقرار الأسرة بدلًا من حمايتها، وبين هذا التأييد وذاك الرفض لنا سؤال نريد الإجابة عنه: هل قانون الأسرة الجديد هو وثيقة زواج على ورقة طلاق؟!.. لماذا هذا السؤال؟:
- لأن المادة 29 من مشروع القانون تقول إن «للزوجة أن تشترط فى عقد زواجها ما يحقق منفعتها، ولها الحق فى فسخ العقد حال إخلال الزوج بما تم الاتفاق عليه، ولها أن تسقط الشرط أو ترضى بمخالفته».. هذه المادة تفتح أبواب التشكيك ومنافذ سوء النوايا قبل إقامة حياة أسرية أحد أهم أعمدة استقرارها حسن النوايا، كما تفتح أيضًا أبواب «التفنن» والتلاعب فى كيفية كتابة تلك الشروط بصياغات قانونية أو مرادفات مطاطة، يمكن أن تُتخذ فيما بعد ذريعة لطلب الطلاق وفسخ عقد الزواج.
- لأن المادة 31 من مشروع القانون أوجبت على كل مقبل على الزواج وقبل توثيق العقد أن يقدم لمن نوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالى أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق بائنًا أو التطليق بحكم نهائى.. وعلى المأذون والموثق وقبل توثيق العقد الاستعلام عن إصدار الوثيقة من عدمه وإثبات ذلك بملحق عقد الزواج، هذه المبالغة فى حماية الزوجة قبل أن يقع الزواج تضر ولا تنفع؛ فلم يراعِ هذا النص أزمات اقتصادية وغلاء أسعار يحسب له الشباب ألف حساب قبل الإقدام على اتخاذ قرار الزواج، تلك المادة تسير عكس اتجاه مبادرات التيسير والتخفيف من أعباء باتت حملًا ثقيلًا على كل شاب ينوى تكوين أسرة صغيرة.
- لأن المادة 32 من مشروع القانون جاءت لتؤكد أن المودة والرحمة يمكن تحويلهما إلى عقد مجرد بين طرفين وعلى كل منهما أن يكتب بنود ماله وما عليه حال فسخ التعاقد، وجاء فيها: «يرفق بوثيقة الزواج أو إشهاد الطلاق بحسب الأحوال ملحق تثبت به حقوق والتزامات كلا الزوجين حال انقضاء الزوجية، أو عند الطلاق يجوز الاتفاق فيه على نفقة الزوجة والمتعة ونفقة العدة وكل الأجور المستحقة ومنها أجر الرضاعة وأجر الحضانة وأجر الخادم ونفقة الصغار ومصاريف تعليمهم حال الإنجاب ومن لهم حق الانتفاع بمسكن الزوجية فى حالة الطلاق أو الوفاة، والاتفاق على عدم زواج الزوج بزوجة أخرى إلا بإذن كتابى من الزوجة وحقها فى طلب الطلاق أو التطليق حال رفضها، وكذا الاتفاق على تفويض الزوجة فى تطليق نفسها مرة واحدة أو أكثر، أو غيرها من الأمور التى يتفق عليها الطرفان»، بعد تلك المادة كيف يمكن أن يتجرأ الشاب على اتخاذ قرار الزواج وهو مقبل على توقيع عقد يتربص فيه كل طرف بالآخر حال فض الشراكة بينهما.
- لأن المادة 84 تنص على وجوب أن يطلب الزوج الذى يريد طلاق زوجته ولم تمضِ على زواجهما ثلاث سنوات من تاريخ العقد من رئيس محكمة الأسرة استكمال إجراءات الطلاق، وعلى المأذون أو الموثق قبل الشروع فى اتخاذ إجراءات توثيق هذا الطلاق أن يطلب من الزوج شهادة باستكمال إجراءات الطلاق لإرفاقها بإشهاد الطلاق، فماذا يفعل الزوج إذا قام «بإلقاء يمين الطلاق» شفاهة، هل ينتظر إذن المحكمة لإتمام هذا الطلاق، أم عليه توثيقه خلال 15 يومًا
 كما تنص المادة 75 من مشروع القانون.
فى النهاية: البحث الحقيقى والجاد عن أسباب الخلافات الأسرية والعمل على حلها، هو الطريق الأمثل لضمان تماسك الأسرة والمجتمع، فما نراه يومياً من حوادث عنف أسرى تصل فى بعض الأحيان إلى ارتكاب جرائم قتل بات أمراً مرعباً.
أخيراً: كل ما نخشاه أن يتحول الميثاق الغليظ بما فيه من المعروف والإحسان إلى بنود عقد يتربص فيه كل طرف بالآخر، وتحل سوء النوايا محل المودة والرحمة، فنجد أنفسنا أمام 
«زواج على وثيقة طلاق»، 
يدفع كثيراً من الشباب إلى العزوف عن فكرة الزواج من الأساس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot